قواعد في تفسير القرآن عند النورسي من خلال إشارات الإعجاز
قواعد وضوابط في تفسير القرآن عند

قواعد وضوابط في تفسير القرآن عند النورسي من خلال كتابه إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز


أ. د. مشعان سعود عبد1


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:


فإن العالم الرباني بديع الزمان سعيد النورسي، الذي له من المصنّفات والأعمال، ما يشهد له بالألمعية والتبصّر بأسئلة زمانه وقضايا أمته، فكانت له آراء سديدة ونظرات ثاقبة، استنبطها بغوصه العميق في معارف الوحي، مما يدل على أنّ هذا الرجل من نوع فريد قل أمثاله في هذه الأمة، وقد أقامه الله حجة في عصر انحطاط وتردي المسلمين، فاستعمله الله في حفظ نضارة هذا الدين وحيويته، وأفاض الله به على هذه الأمة بقوة دعوته وصدق رسالته، ما جعله قدوة بل مدرسة خرجت الآلاف بل الملايين، وهي اليوم شامخة، تتقدم بخطى حثيثة، وتتبوء مكانة سامقة بين أخواتها من العاملين في ساحة العمل للإسلام.


وكان من أهم أعماله العلمية وثقافته الرصينة رسائل النور، التي تنوعت موضوعاتها وعلاجاتها، مستمدة أصولها ومسالكها من فهم دقيق للإسلام، ومؤسسة مسالك تدبيرها من رسالة تثقيف الإنسانية بما يواجه به تقلبات العصر وأفكاره واتجاهاته.


وكان المنطلق الأكبر له هو القرآن الكريم الذي عاش أجواءه وظلاله مدى حياته، ولعل في كتابه ”إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز“ قواعد وضوابط لتفسير كتاب الله، أحببنا أن نقف عليها، وأن نبرزها للقراء والباحثين، لتكون لنا إحدى الشعاعات التي كان يطلقها لتنير الدرب لفهم كتاب الله، ضمن دعوة الرجوع إلى هذا المصدر الذي قد أهمل ومالت الناس عنه مع أهميته، فأعرضت عن توجيهاته، وذهبت تتلمّس حلولا لفهم نفشها وأوضاعها من خارجه.


ودفعا لعذا الإعراض عن كتاب الله، أكّد الأستاذ في غير ما موضع من رسائل النور أنّ في القرآن كلّ ما يطلب، والإقبال عليه بإخلاص تنكشف الأسرار والكنوز بطريق لا تتصور وبغزارة لا حدّ لها، ويطلب ببركته قضاء حاجاته كلّها حتى الدنيوية منها ويحصل له مطلوبه.2


وبيّن مما سبقت الإشارة إليه أنّنا أمام عَلَمٍ جعل من القرآن أساس التصورات والتنزيل والتدبير، لهذا فالحاجة ماسة إلى معرفة مسالك تفسيره وتعامله مع القرآن الكريم، من هنا آثرت أن يكون عنوان البحث: ”قواعد وضوابط في تفسير القرآن عند النورسي“، ونظرا لسعة الموضوع اكتفيت في هذه العجالة الكتابة في الدراسة من خلال ”إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز“.


تحقيقا لما أشرت إليه قسّمت بحثي هذا إلى تمهيد وثلاثة مباحث:


التمهيد فقد عرفت فيه بالكتاب، ولم أر داعيا إلى الحديث عن المؤلف لشهرته. وعرضت المبحث الأول نظرة الأستاذ للتفسير، والحاجة إليه وبيان الأساسيات العامة في القرآن موضع التفسير، وضمّنت المبحث الثاني بيان القواعد والضوابط التي يحتكم إليها في تفسير كتاب الله، والتي يجب على المفسر أن يكون عالما بها لكي لا ينحرف عن فهم


كتاب الله، ثم تناولت في المبحث الثالث قضية الإعجاز وتعريفه ووجوه الإعجاز، ثم عرجت على نظرية النظم التي فسر القرآن على أساسها وعرضت المفهوم العام والخطوط العريضة لها، ولم أدخل في تفاصيلها وجزئياتها ومراحلها وتطبيق هذا المنهج على تفسيره؛ لأنّه مقام لا تسعه هذه الصفحات القليلة.


سائلا المولى U أولا أن يرحم هذا العالم الرباني، ويجزيه عنا أفضل الجزاء، وأن يخلف على الأمة الإسلامية من يعوضها لأمر دينها، وأن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، وأن يجنبني الزلل ويعصمني من الانحراف ويوفقني إلى سواء السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.


تمهيد


التعريف بكتاب ”إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز“:


ينصب هذا الكتاب كما هو بيّن من عنوانه على إظهار الإعجاز في القرآن الكريم، والذي تبنى فيه الأستاذ بديع الزمان النورسي نظرية النظم المعروفة، وطبّقها تطبيقا حرفيا على ما تناوله في هذا الكتاب من تفسيره للآيات التي صب فيها جهده وأفرغ فيها وسعه، وكانت على قلتها خير شاهد ودليل إثبات ما كان يومئ به ويذهب إليه، بقوله: ”إن مقصدنا من هذه الإشارات تفسير جملة من رموز نظم القرآن، لأن الإعجاز يتجلى من نظمه، وما الإعجاز الزاهر إلا نقش النظم“.3


ولسنا في معرض الحديث عن هذه النظرية، وكيف تناولها، وتتبّع الفكرة فيها، فإن هذا مما تعجز عن استيعابها مقالة، بل أردنا الوقوف على هذا الجزء من التفسير لآخذ من خلال تفسيره البلاغي والنظمي القواعد والأسس في التفسير بصورة عامة، فقد أودع فيه كثيرا من علوم القرآن ومعارفه وأسس التفسير وضوابطه، لأنّ هذا الجزء له أهميته وقيمته العلمية، وقد كان يريد أن يؤلف تفسيرا كاملا في هذا الاتجاه، ولو استمر في عمله لبلغ عشرات المجلدات في ضوء ما قدمه في هذا الجزء من التفسير.4


وإذا كان هذا الكتاب الوحيد من حيث عنوانه خاصا بتفسير القرآن من وجهة إعجاز القرآن الكريم، فإن سائر رسائل النور لا تقل أهمية عن هذا الكتاب، فهي بالفعل تفسير حقيقي للقرآن الكريم، تفسير بمسلك خاص وبمقاصد محددة سلفا، لخصها في تثبيت وإثبات الحقائق الإيمانية في ظل وضع أراد المسيطرون عليه تجفيف منابع الدين من الصدور ومن السطور.


كان الأستاذ معتزا بكتاب ”إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز“، ويراه ”تحفة رائعة من تحف سعيد القديم بالرغم من أخطائه وذنوبه“،5 وعدّه ”كفارة لذنوبه“ ويدعو ربه أن يبعث رجالا يستطيعون فهمه حق الفهم.


وقد كانت نيته تتجه إلى أن يكون هذا الجزء لتوضيح الإعجاز النظمي من وجوه إعجاز القرآن، بينما تكون الأجزاء الباقية كل واحد منها وقفا على سائر أوجه الإعجاز، كما كان يرى أن رسائله قد تضمنت كثيرا من حقائق التفسير، لو ضمت لأصبح تفسيرا بديعا جامعا للقرآن المعجز البيان.6


المبحث الأول: نظرته إلى التفسير


المطلب الأول: إيمانه بالتفسير الجماعي


نظرا لأهمية كتاب الله من حيث كونه جاء تشريعا عاما للناس كافة، يخاطب فيه الجميع بمختلف طبقاتهم، وفي كل العصور، فإنّه يرى أن الفهم الفردي لا يسعه ويعجز عن بلوغ غاياته، ولا يعطي تصورا كاملا شاملا لحقائقه؛ لذا يرى أن تجتمع جماعة كبيرة تشبه الإجماع، لتقوم بتفسير القرآن، ليكون ذلك أكثر حجية، وإن وجود علماء محققين يقومون بتفسير كتاب الله، يكون كفالة ضامنة للأمة، حتى يكون بذلك مصدر طمأنتها، وليكون أبعد عن الانحراف والزلل، ومثله مثل كثير من الأحكام التي تنظم من قبل جماعة لكي تكون مطردة، وترفع الفوضى الناشئة من فوضى الفكر التي تسمّت حرية، ولذا فهو يردد عبارة ”للكل حكم ليس لكل“ ويكون ذلك بمثابة شخص معنوي متولّد من امتزاج الأرواح وتساندها وتلاحق الأفكار، وتظافر القلوب وإخلاصها.


ولولا تخوّفه من بعض غيبيات القدر وتقلّب الأحوال وبخاصة ما كان يمر به في زمنه من تخاذل المسلمين في ظل الأوضاع المزرية التي عرفتها بلاد المسلمين وظهور علامات حرب عالمية، لما كان قيّد هذا التفسير، ولذا مع تقييده لهذا التفسير فهو لا يصرحه بعدّه تفسيرا كاملا للقرآن، وإنما ”نوع مأخذ لبعض وجوه التفسير“.7


إن هذا الاحتياط في التفسير له ما يبرره ويسوغه، حيث إن التفسير هو بيان مراد الله سبحانه، وهو أمر صعب المنال، ولولا تعين بيانه على العلماء لما أقدموا عليه، ولذا كان جلّة من السلف لا يفسّرون القرآن خوفا من أن يخطئوا مراد الله، أو أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، وهي قضية تناولها العلماء قديما وحديثا، وأبدى بعضهم تخوفه من الزلل في كلام الله.


لذلك تراهم يضيفون في تعريف مصطلح التفسير عبارة: ”بيان مراد الله حسب الطاقة البشرية“ احتياطا وعذرا لهم في ذلك.8


من هنا كان الاهتمام بالتفسير الجماعي للقرآن الكريم، ذلك أنّ التفسير المستفاد بطريق الإجماع أبعد عن الخطأ، وأقرب إلى الصواب.


أما قول الأستاذ النورسي بأنّ ما كتبه ليس تفسيرا للقرآن، فيقصد من الناحية الفنية، ولهذا انتهى إلى أنّه نوع مأخذ لبعض وجوه التفسير، فهذا صحيح؛ لأنه ليس للقرآن وفهمه حد ينتهى إليه، كما قال سهل بن عبد الله التستري (ت 283هـ): ”لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودعه الله في آية من كتابه؛ لأنّه كلام الله، وكلامه صفته، وكما أنّه ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه“.9


المطلب الثاني: القرآن الكريم ومقاصده


أولا: تعريف القرآن الكريم في رسائل النور


عرض النورسي رحمه الله تعريف القرآن الكريم من خلال سؤال وجواب، ولم يقصد بجوابه التعريف العلمي أو التعريف بالحد، فمال عن التعريف وفق الصيغ الفنية المشهورة، وعدل عنه إلى تعريف ضمّنه أوصاف القرآن الكريم وأهدافه وغاياته ومحتوياته وعلومه ومواقف الناس منه.10


وكل ذلك من باب الرسوم وليس الحدود، ابتعد عن التعريف المشهور عن القرآن بأنه: كلام الله المتعبد بتلاوته المبدوء بالفاتحة المختتم بالناس، أو ما هو شبيه منه،11 وأورد ما ركّز به على هداياته وهي الأمور العملية التي تحتاجها البشرية، ولا تقف عند الحد المعروف له المجرد من الروح والحركة والعمل والتفاعل.


ثانيا: مقاصد القرآن الكريم في رسائل النور


فقد بيّن أنّ المقاصد الأساسية من القرآن وعناصره الأصلية أربعة: التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة.


وسبب حصرها في هذه الأربعة هي ما يشغل هذا الإنسان من أسئلة معروفة: من أين؟ وإلى أين؟ ما تصنعون؟ من سلطانكم؟ ومن خطيبكم؟


ثم قال: والمجيب على هذه الأسئلة الجواب الصحيح ليس إلاّ القرآن ذلك الكتاب، وأنّ هذه المقاصد الأربعة تتجلى في القرآن كله سورة سورة، وفي كلّ كلام، بل قد يرمز إليها في كلمة كلمة.12


المطلب الثالث: الحكمة من اختلاف المفسرين مع وضوح القرآن وبلاغته وهدايته


يرى النورسي رحمه الله أنّ هذه الاختلافات قد يكون الكل حقا بالنسبة إلى سامع فسامع، إذ القرآن ما نزل لأهل عصر فقط، بل لأهل جميع الأعصار، ولا لطبقة واحدة، بل لجميع طبقات الإنسان، ولا لصنف فقط، بل لجميع أصناف البشر، ولكلّ فيه حصة ونصيب من الفهم.


ثم قال: فكم من أشياء تستحسنها فقط طائفة دون طائفة، وتستلذها طبقة ولا تتنزل إليها طبقة، فلأجل هذا السر والحكمة أكثر القرآن من حذف الخاص للتعميم ليقدّر كل مقتض ذوقه واستحسانه.


ثم قال: فإذاً يجوز أن تكون الوجوه بتمامها مرادة بشرط أن لا تردها العلوم العربية، ويشرط أن تستحسنها البلاغة، وبشرط أن يقبلها علم أصول مقاصد الشريعة.13


ولهذا أورد سؤالا عن هذه الاختلافات ومدى شرعيتها، فقال: إن قلت إن القرآن من الضروريات، وقد اختلف في معانيه؟ قيل لك: إنّ في كل كلام من القرآن ثلاث قضايا: إحداها: ”هذا كلام الله“، والثانية: ”معناه المراد حق“، وإنكار كل من هاتين كفر! والثالثة: معناه المراد هذا، فإنْ كان محكما أو مفسرا فالإيمان به واجب بعد الاطلاع والإنكار كفر، وإنْ كان ظاهرا أو نصا يحتمل معنى آخر، فالإنكار بناء على التأويل دون التشهد ليس يكفر.14


إذن فهو يرى جواز اختلاف المفسرين، ويرى مبدئيا قبول هذه الأقوال باعتبارها تلبي حاجة كل إنسان، أو كل عصر، وفي جميع الأحوال.


وهذا ما يفسر الأقوال المتعددة الواردة عن السلف في تفسير بعض الآيات، وهوما أطلق عليه ابن تيمية رحمه الله: ”أنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد“،15 وقبول النورسي للاختلاف والتنوع المؤسسة على حاجة وطبيعة الإنسان وذوقه واستحسانه.


وأما ما وصفه من شروط لقبول هذه الاختلافات فهي شروط ضرورية ومهمة تمنع خروج الاختلافات عن الضوابط الأصولية حتى لا يدخل في كتاب الله الزيغ والانحراف، كما حصل لكثير ممن خرجوا على هذه القواعد، فكان تفسيرهم مصادما للقرآن وهدايته.


المطلب الرابع: القرآن يلبي فهم كل عصر بما يناسبه


القرآن هو الكتاب المعجز الخالد الذي أودع الله فيه من العلوم والأسرار الكثير، عرض حقائق الخلقة وفنون الكائنات، على ما توصل إليه العلم الحديث والمكتشفات الإنسانية في شتى مجالات الحياة؟


يحرر ذلك النورسي بقاعدة استفادها من واقع الحياة وسننها التي بثها الله في مخلوقاته وهي ”أنّ في شجرة العالم ميل الاستكمال، وتشعب منه في الإنسان ميل الترقي، وميل الترقي كالنواة، يحصل نشوؤه ونماؤه بواسطة التجارب الكثيرة، ويتشكّل ويتوسّع بواسطة تلاحق نتائج الأفكار، فيثمر فنونا مترتبة، بحيث لا ينعقد المتأخر إلا بعد تشكل المتقدم...“16


وبناء على هذه الحقائق والمقدمات المهمة والتي تعد عصارة فلسفة التاريخ، فإنه يرى لو أراد أحد تعليم فن أو تفهيم علم، وهو إنّما يتولّد بتجارب كثيرة، ودعا الناس إليه قبل هذا بعشرة عصور لا يفيد إلا تشويش أذهان الجمهور ووقوع في السفسطة والمغالطة، فلو قال القرآن: ”يا أيها الناس انظروا إلى سكون الشمس وحركة الأرض، واجتماع مليون حيوان في قطرة، لتتصوروا عظمة الصانع“ لأوقع الجمهور إما في التكذيب، وإما في المغالطة مع أنفسهم والمكابرة معها... وهذا مناف لمنهاج الإرشاد وروح البلاغة“.17


وما ذهب إليه النورسي يؤيّده الواقع، حيث هناك مئات الآيات الكونية المبثوثة في القرآن لم تفسّر من قبل الرسول r ولا سأل عنها الصحابة؛ لأنّ الوصول إلى حقائق معاني تلك الآيات ليس من مهمة النبوة، وإنّما هو من مهمة العقل الإنساني يكتشف قوانين الوجود ويصل إلى معرفة تفاصيلها عبر المسيرة الحضارية البشرية الطويلة.18


كما يرى النورسي: أنّ المقصد الأصلي في القرآن إرشاد الجمهور إلى الأساسيات الأربعة التي ذكرناها التوحيد والنبوة والحشر والعدالة، فذكر الكائنات في القرآن إنّما هو تبعي واستطرادي، لأنّ القرآن ما أنزل لدراسة الجغرافيا وعلم العلل، بل ذكر الكائنات للاستدلال بالصفة الإلهية والنظام البديع على النظام الحقيقي جل جلاله.19


كما يؤكد هذه الحقيقة بقوله: إن المقصد من القرآن الكريم ليس درس تأريخ الخلقة بل نزل لتدريس معرفة الصانع.20


وهذه السعة في الخطاب القرآني جعلته يلبي أفهام الجميع، ويتّفق مع تطور الفكر البشري، واختلاف قابليات البشر، فالكلّ يفهم منه على قدر علمه وخاصيته، قال النورسي: ”اعلم، أنك إذا تفكرت في وسعة خطابات القرآن الكريم ومعانيه ومراعاته لأفهام عامة الطبقات من أدنى العوام إلى أخص الخواص ترى أمرا عجيبا، مثلا من الناس من يفهم من ’سبع سموات‘ طبقات الهواء النسيمية، ومنهم من يفهم منه الكرات النسيمية المحيطة بأرضنا هذه وأخواتها ذوات ذوي الحياة، ومنهم من يفهم منه السيارات السبع المرئية للجمهور، ومنهم من يفهم من طبقات سبعة أثيرية في المنظومة الشمسية، ومنهم من يفهم منه سبع منظومات شمسية أولاها منظومة شمسنا هذه، ومنهم من يفهم منه انقسام الأثير في التشكل إلى طبقات سبعة، ومنهم من يرى جميع ما يرى مما زين بمصابيح الشموس والنجوم الثوابت سماء واحدة هي السماء الدنيا وفوقها ست سموات أخرى لا ترى، ومنهم من لا يرى انحصار سبع سموات في عالم الشهادة فقط، بل يتصورها في طبقات الخلقة في العوالم الدنيوية والأخروية الغيبية، فكل يستفيض بقدر استعداده من فيض القرآن ويأخذ حصته من مائدته فيشتمل على كل هذه المفاهيم“.21


بل إنّه يرى أنّ الإيجاز في القرآن الذي هو منشأ الإعجاز: لكون المخاطبين بالقرآن على طبقات متفاوتة، وفي عصور مختلفة، وبما أنّ البلاغة هي مطابقة مقتضى الحال، فلمراعاة هذه الطبقات واختلاف العصور ليستفيد كل نوع بما قُدِّر له من الفهم، فحذف الكثير للتعميم وللتوزيع، وأطلق الكثير للتشميل والتقسيم، وأرسل في كثير لتكثير الوجوه وتضمين الاحتمالات المستحسنة في نظر البلاغة والمقبولة عن السامع.22


وقد ذكر مثلا للإطلاقات التي تفهم التعميم قوله تعالى:﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾البَقَرَة:5 فقال: ”إن مخاطب القرآن على طبقات مطالبهم مختلفة، فبعضهم يطلب الفوز من النار، وبعض إنما يقصد الفوز بالجنة، وبعض إنما يتحرى الرضا الإلهي، وبعض ما يحب إلا رؤية جماله... وهلم جرا... فأطلق هنا لتعم فائدة إحسانه فيجتني كل مشتهاه“.23


المبحث الثاني: القواعد التي تضبط فهم القرآن


المطلب الأول: المتشابهات والمجاز


يرى النورسي رحمه الله أنّ ورود المتشابهات والمجاز إنّما كان مراعاة لواقع اختلاف البشر، فهم ليسوا على مستوى واحد في الفهم والاستقبال، لذا فإن خطابات القرآن تستجيب لجميع المستويات، يقرر هذا المعنى بقوله: ”إن حكمة المتشابهات وهي التنزلات الإلهية إلى عقول البشر؛ لتأنيس الأذهان وتفهيمها، كمن تكلم مع صبي بما يألفه ويأنس به، فإن الجمهور من الناس يجتنون معلوماتهم عن محسوساتهم، ولا ينظرون إلى الحقائق المحضة إلا في مرآة متخيلاتهم ومن جانب مألوفاتهم، وأيضا المقصود من الكلام إفادة المعنى، وهي لا تتم إلا بالتأثير في القلب والحس، وهو لا يحصل إلا بإلباس الحقيقة أسلوب مألوف المخاطب، وبه يستعد القلب للقبول.


ولذا فإن معنى الرحمن الرحيم وأمثالهما وتفسيرهما بمبادئهما محال في حقه تعالى، كرقة القلب، وإن أريد منها النهايات“.24


وهو يرى ”أنّ متشابهات القرآن عند أهل التحقيق نوع من التمثيلات العالية وأساليب لحقائق محضة ومعقولات صرفة؛ ولأن العوام لا يتلقون الحقائق في الأغلب إلا بصورة متخيلة ولا يفهمون المعقولات الصرفة إلا بأساليب تمثيلية لم يكن بدّ من المتشابهات، كـ ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾الأعراف:54 لتأنيس أذهانهم ومراعاة أفهامهم“،25 وهو ذات ما ذكره الإمام الرازي رحمه الله.26


وهو بهذا يذهب مذهب المؤولين الذين يرون تأويلها على ما يليق بجلاله تعالى، وهو مذهب الخلف ومذهب كثير من المتكلمين، ويميل كثير من العلماء والفقهاء والمحدثين إلى طريقة السلف وهو تفويض معناها إلى الله سبحانه، وهي مسألة طويلة خاض فيها البعض كثيرا فأنكر عليه، وأوغل آخرون في التأويل، ومال ثالث إلى المغالاة في التفويض حتى أخذ بالظاهر، والمسألة اجتهادية، وليست من الأمور القطعية اليقينية حتى يحكم فيها بكفر أو إيمان.27


المطلب الثاني: حكمة التكرار في القرآن


اهتم الأستاذ النورسي بمسألة التكرار في القرآن الكريم، ويجيب النورسي عن وجود أشياء مكررة كثيرا في القرآن الكريم الموجز مع أنه معجز، مثل البسملة و ﴿فَبِأَيّ آلاَءِ﴾ و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ وقصة موسى وأمثالها، مع أنّ التكرار ممل وينافي البلاغة، فقال: ”إن التكرار قد يمل لا مطلقا، بل قد يستحسن وقد يسأم، فكما أنّ في غذاء الإنسان ما هو قوت كلّما تكرّر حلا وكان آنس، وما هو تفكه إن تكرر مل، وإن تجدد استلذ، كذلك في الكلام ما هو حقيقة وقوت وقوة للأفكار وغذاء للأرواح، كلما استعيد استحسن واستؤنس بمألوفه كضياء الشمس، وفيه ما هو من قبيل الزينة والتفكه، لذته في تجدد صورته وتلون لباسه“.


ثم يستطرد قائلا: ”هذا بناء على تسليم التكرار، وإلا فيجوز أن تكون قصة موسى مثلا مذكورة في كل مقام لوجه مناسب من الوجوه المشتملة هي عليها“.28


ثم وضّح ما في البسملة من معان وإيحاءات وأحكام على كل مورد ترد فيه تشير إلى بعض تلك المعاني والأحكام ومناسبة مخصوصة لهذه السورة أو فهرسة إجمالية على حسب الاعتبارات الواردة أو المقامات.


هذا، وقد ذكر العلماء كثيرا من فوائد التكرار في القرآن الكريم، منها التوكيد، ومنها زيادة التنبيه، ومنها إذا طال الكلام وخشي تناسي الأول أعيد ثانيا تطرية له وتجديدا لعهده، أو للتهويل والتعظيم، أو للوعيد، أو للتعجب.


وأما ما أشار إليه في قصة موسى u، وأنّ لكل مقام ذكرت فيه إنّما ذكرت لوجه مناسب، فهو أمر حق بيّنه العلماء، وأكّدوا على أنّ كل موطن فيه زيادة ونقصان، وتقديم وتأخير تخالف نظيراتها من نوع زائد فيه، فيوقف عليه من المعاني دون غيرها.29


ولهذا نشأت عندنا كتب تختص بدراسة التكرار في القرآن الكريم، منها كتب أسرار التكرار، وملاك التأويل وغيرهما، وما كتب حديثا وهو كثير، لعل منها كتب الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم، وكتب التعبير القرآني.30


المطلب الثالث: صيغة المضارع بدل صيغة الماضي


يرى الأستاذ أنّ مراعاة الأكثر في الواقع أوفى لحق البلاغة، فمثلا يرى ”في أساليب التنزيل كثيرا ما يبتلع الزمان الماضي المستقبل، ويتزيّ المضارع بزي الماضي، إذ فيه بلاغة لطيفة؛ لأنّ من سمع الماضي فيما لم يمض بالنسبة إليه اهتز ذهنه، وتيقظ أنه ليس وحده، وتذكر أن خلفه من الصفوف بمسافات، حتى كان العصور مدارج، والأجيال صفوف قاعدون خلفها، وتنبه أن الخطاب والنداء الموجه إليه بدرجة من الشدة والعلو يسمعه كل الأجيال، وهو خطبة إلهية تنصت لها كل الصفوف في كل العصور، فالماضي حقيقة في الكثير من أكثر الأزمان، ومجاز في القليل في أقلها، ومراعاة الأكثر أوفى لحق البلاغة“.31


ذكر ما سبق نقله تعليقا على قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ...﴾ وبالنظر إلى صيغته الماضية مع أنّه لم يتم النزول إذ ذاك، إشارة إلى تحققه بمنزلة الواقع.


ولعل قوله هذا أولى من قول بعضهم: إن الذي يؤمن بما أنزل يستمر إيمانه بكل ما ينزل على الرسول، فالإيمان في المستقبل حاصل بفحوى الخطاب، فإيمانهم بما سينزل مراد من الكلام، كما ذهب إلى ذلك ابن عاشور ”محمد الطاهر“.32


ويقال في مثل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ...﴾النحل:1 قال: أتى، جاءت بصيغة الماضي والمراد بها المستقبل، ”إن ذلك صحيح من جهة التأكيد، وإذا كان الخبر حقا فيؤكد المستقبل بأن يخرج في صيغة الماضي، أي كأنه لوضوحه والثقة به قد وقع، ويحسن ذلك في خبر الله لصدق وقوعه“.33


المطلب الرابع: المشترك ودلالته


يرى النورسي أن المشترك الذي تتعدد معانيه إنّما هو في الأغلب معناه واحد، ثم بالمناسبات وقع تشبيهات... ثم منها مجازات... ثم منها حقائق عرفية... ثم يتعدد حتى إن العين التي معناها الواحد البصر والمنهل تطلق على الشمس أيضا بالرمز إلى أن العالم العلوي ينظر إلى العالم السفلي بها، أو أن ماء الحياة الذي هو الضياء يسيل من ذلك المنبع في الجبل الأبيض المشرق... وقس على ذلك.


ولهذا، فهو يرى كما يرى سيبويه أن الحروف التي تتعدد معانيها كمن وإلى والباء وغيرها أصل المعنى فيها واحد لا يزول، لكن باعتبار المقام والظرف قد يتشرب معنى معلقا ويجذبه إلى جوفه، فيصير المعنى الأصلي صورة وأسلوبا لمسافره.34


وهذا التفسير للمشترك يحل كثيرا من الخلافات التي تجري في المشترك، أيحمل على معنى واحد أم على جميع معانيه؟ وهل أن الأصل المعنى الفلاني أو الفلاني؟ وأسباب وجود المشترك؟35 وغير ذلك، إنّه يتّفق مع كثير من العلماء والمحققين في القول بأنّ المعاني المختلفة للفظ الواحد إنّما لها جامع يجمعها ومعنى واحدا تنطلق منه، وممن نحا هذا المذهب ابن فارس (392هـ) في كتابه ”مقاييس اللغة“36 وكذلك من كان قد تناول الوجوه والنظائر فحاول أن يرجع اختلافات معاني كل كلمة إلى أصل يجمعها كالحكيم الترمذي (326هـ) في ”تحصيل الوجوه والنظائر“.


كما أن قضية الحروف ومعانيها الأصلية وغيرها جديرة بدراسة وافية، فلكلّ أداة في القرآن خاصية تكشف عن عادة القرآن في استخدامه لهذه الحروف، لأن كثيرا من المعاني تتوقف على معاني الحروف ودلالتها.37


المطلب الخامس: تترك الحقيقة لوضوح المجاز أو التشبيه


من المعلوم أن حمل الكلام على حقيقته أولى وأوجب ما لم يكن هناك داع إلى استخدام المجاز أو التشبيه، والمجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا، والإنكار لهذا الوقوع إنكار لبعض وجوه البلاغة،38 لأنّ حمل بعض الكلام على حقيقته قد ينافي الواقع.


ويمثّل النورسي لذلك: بما وقع لبعض المفسرين في تفسير السماء من قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾البقرة:19 وقوله: ﴿يُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ فقال: فنظر البلاغة لا يرى عليه سكة الحقيقة، بل المعنى من جهة السماء والتقييد لما عرفت، وقد قيل السماء ما علاك، فالسحاب كالهواء سماء.


ثم أخذ يبيّن كيفية تكوّن السحب من بخار المياه في الأرض حتى تصعد فتكون سحابا ثم يشتد تكاثفها فتصير قطرات فتنزل على الأرض مطرا.


ثم بيّن سبب خطأ بعضهم في قولهم بوجود بحر سماوي منه ينزل الماء هو من قبيل تصور المجاز حقيقة، وأنّ الجمهور على الظاهر مع التوقّد في الاستعارة في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾النور:43 إنما هو جمود بارد وخمود ظاهر، فإنّ فيها استعارة بديعة عجيبة مستملحة، مؤسسة على خيال شعري بالنظر إلى السامع، وهو مبني على ملاحظة المشابهة والمماثلة بين تمثل العالم العلوي وتشكل العالم السفلي، ولهذا استحسن أسلوب العرب تشبيه السحاب بالجبال والسفن والبساتين وقافلة الإبل، فيرى السحاب متوضعا على الجبل ويصير الجبل كأنه مرسى لسفن السحاب ترسي عليه.


فوجود هذه المناسبات في كلام العرب وخيالاتهم تجعل من ”السماء“ أي من جهته، و ”من جبال“ أي من سحاب كالجبال، و ”من برد“ أي في لونه ورطوبته وبرودته ثم يلوم القائلين بالحقيقة ”ما أجبرك على وجود هذا التأويل الذي تقبله البلاغة على اعتقاد نزول المطر بدقيقتين من مسافة خمس مائة سنة المخالف لحكمة الله الذي أتقن كل شيء صنعا“.39


المبحث الثالث: ماهية الإعجاز عند النورسي


إنّ القرآن الكريم جاء لمقاصد كثيرة، منها إثبات نبوة محمد r بأكمل معجزاته الذي هو التحدي بإعجاز القرآن الكريم، أي أن دلائل نبوته كثيرة في القرآن، وأهمّها إعجاز القرآن، المعجزة المتحدى بها، وقد أقام دلائل كثيرة على ذلك، استغرقت صفحات عديدة من خلال النصوص العامة، ومن إيحاءات الخطابات والقصص ومن واقع النبي r وتأثيره في أمة أمية فقلبها إلى أمة حضارة وعلم وفكر...40


كذلك بيّن أنّ الشريعة الإسلامية مبنية ومؤسسة على البرهان العقلي، ملخصه من علوم وفنون تضمنت جميع أنواع العلوم الأساسية التي تحتاجها البشرية، من فن تهذيب الروح، وعلم رياضة القلب، وعلم تربية الوجدان، وفن تدبير الجسد، وفن سياسية المدنية، والحقوق علم المعاملات والآداب.


وكلّ هذه العلوم أو بعضها بقيت بالرغم من تلاحق الأفكار وتوسّع نتائجها، فإنّها تدفعنا إلى الاعتقاد بأن حقيقة هذه الشريعة خارجة عن طاقة البشر دائما، لاسيما في ذلك الزمان.41


وخاصة إذا تصورنا أنها ولدت في صحراء شاسعة مترامية الأطراف، لا معين فيها لهذا الإنسان، كما لم تكن له سلطة يبارز الدنيا بها، ثم إنّ الله قد أَيِّد نبيّه r بمعجزات كثيرة منها إرهاصات من حين ولادته، ومنها بعدها، وقد تكون خوارق غيبية كبيرة، أو خوارق حسية كانشقاق القمر وغيره.42


انتقل بعدها إلى دراسة بعض وجوه إعجازه، فتوقف عند الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ...﴾ فقال بعد إثبات التوحيد تثبت نبوة محمد عه السلام، الذي هو من أظهر دلائل التوحيد، ثم إن إثبات النبوة بالمعجزات وأعظم المعجزات هو القرآن الكريم، وأدق وجوه إعجاز القرآن ما في ”بلاغة نظمه“.


ثم بيّن أنّ المحققين اختلفوا في طرق الإعجاز، لكن لا تزاحم بين تلك الطرق، بل كل اختار جهة من جهاته، فعند بعض إعجازه إخباره بالغيوب، وعند بعض جمعه للحقائق والعلوم، وعند بعض سلامته من التخالف والتناقض، وعند بعض غرابة أسلوبه وبديعيته في مقاطع ومبادئ الآيات والسور، وعند بعض ظهوره من أمي لم يقرأ ولم يكتب، وعند بعض بلوغ بلاغة نظمه إلى درجة خارجة عن طوق البشر... إلخ.43


ولذا، فإن ملخص الإعجاز هو ما جاء في معنى الآية السابقة ”إن كنتم في ريب أنه كلام الله يجب عليكم أن تتعلموا إعجازه، فإن المعجز لا يكون كلام البشر، ومحمد r بشر، وإن أردتم ظهور إعجازه فجربوا أنفسكم ليظهر عجزكم فيجب عليكم التشبث بإتيان سورة من مثله“ ثم قال: ”فلله در التنزيل ما أوجزه وما أعجزه“.44


ولذا قال الأستاذ: إن معرفة هذا النوع من الإعجاز تفصيلا إنما تحصل بمطالعة أمثال هذا التفسير أي تفسير ”إشارات الإيجاز“.


ثم قال: إما إجمالا فيعرف بثلاث طرق كما حققها عبد القاهر الجرجاني شيخ البلاغة، والزمخشري والسكاكي والجاحظ، وهذه الطرق نلخصها فيما يأتي:


1- إن العرب كان ديوانهم الشعر وعلمهم البلاغة ومفاخرتهم بالفصاحة، فلما طلع عليهم القرآن ببلاغة بهرتهم، وما عارضوه، مع شدّة تحدّي النبي r وتسفيه أحلامهم، فلولا أنهم أرادوا وجربوا أنفسهم فأحسوا بالعجز فسكتوا عن المعارضة، فعجزهم دليل إعجاز القرآن.


2- إنّ الذين يعرفون خواص الكلام ومزاياه لما تأملوا في سوره سورة سورة، وآية آية، شهدوا أنه جامع لمزايا لا تجتمع لبشر، فهؤلاء كثر، كما أنّ القرآن أحدث تحوّلا عظيما وديانة واسعة.


3- إنّ الفصحاء والبلغاء مع شدّة احتياجهم إلى إبطال دعوى النبي r تركوا المعارضة وهو الطريق الأقرب والأسلم، ولجأوا إلى المقارعة بالسيوف وهو طريق صعب، فلولا أنّهم قد أحسُّوا بالعجز ما سلكوا الطريق الثاني وتركوا الطريق الأول.45


ثم بيّن أنّه على مرّ التاريخ لم يظهر من عارضه، ولو وجد لتناقل الناس ذلك، وما نقل عن مسيلمة الكذاب فهو مسخرة وأضحوكة.


ولذا يرى النورسي رحمه الله أن الإعجاز إنما هو ”نظم المعاني دون نظم الألفاظ“ وهو عبارة عن توخي المعاني النحوية فيما بين الكلمات، أي إذابة المعاني الحرفية بين الكلم لتحصيل النقوش، ونظم المعاني هو الذي يشيد بقوانين المنطق، وأسلوب المنطق هو الذي يتسلسل به الفكر إلى الحقائق، والفكر الواصل إلى الحقائق هو الذي ينفذ في دقائق الماهيات ونسبها، ثم يربط بينه وبين الكائنات في انتظامها، ويقول: إن الكائنات قد أنشأها وأنشرها صانعها فصيحة بليغة، فكل صورة وكل نوع منها بالنظام المندمج فيه معجزة من معجزات القدرة، فالكلام إذا حذا حذو الواقع وطابق نظمه نظامه حاز الجزالة بحذافيرها، وإلا فإن توجه إلى نظم اللفظ وقع في التصنع والرياء، كأنه يقع في أرض يابسة وسراب خادع. 46


الخاتمة


بعد هذه الجولة السريعة في كشف معالم التفسير وبيان أصوله وقواعده عند الإمام النورسي رحمه الله، توضحت لنا حقائق عدة، عن مكانة هذا الرجل، وقدمه الراسخة في علم التفسير، وأهم معالم هذه الجولة:


أولا: إن بديع الزمان كان عالما بكتاب الله تعالى، مطلعا على معانيه، هاضما لحقائقه، إنه يصح أن يكون في زمرة المفسرين الأوائل، وممن له إسهامات وإبداعات في تجلية مراد الله سبحانه، لم يكن ناقلا فحسب، بل هو غائر على صدفه وجواهره.


ثانيا: إن نظراته في التفسير لم تكن تقليدية، وإنما كانت من صميم الواقع حاضرة مع الزمن وتطوره، ولم يكن بعيدا عن علوم عصره وثقافة الوقت.


ثالثا: نظرا لسعة أفقه وانفتاحه على العلوم الأخرى، فقد وضع قواعد وأصول هذا العلم في هذا الكتيب الصغير، وجعلها مرجعا لمن أراد الخوض في علم التفسير.


رابعا: كانت نظرية النظم التي نادى بها كبار علماء البلاغة والبيان هي الأساس والمنطلق لإعجاز القرآن الكريم، وأخذ بتطبيقها في سورة الفاتحة وجزء من سورة البقرة، ليثبت صحة دعواه، ولذلك طال نفسه في كثير من المواطن التي أظهر فيها ترابط أجزاء القرآن بآياته وجمله وكلماته.


ولم أكن لأتوسع في إعجاز القرآن، وقصرت ما كتبت على قواعد التفسير وأسسه لأضعها أمام الباحثين والمعنيين بهذا العلم... نسأل الله أن يرحم عالمنا وأن يجزيه عنا خير الجزاء، لما قدم من خدمة لكتاب الله وللإسلام والمسلمين.


* * *


المصادر


1- الإتقان في علوم القرآن: جلال الدين السيوطي (ت 911هـ) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، 1988م.
2- إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول: محمد بن علي الشوكاني (ت 1250هـ) دار الفكر، بيروت، ط7، 1997م.
3- إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز: بديع الزمان سعيد النورسي، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، مطبعة الخلود، بغداد، ط1، 1409هـ 1989م.
4- البرهان في علوم القرآن: بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت 794هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1988م.
5- التحرير والتنوير: محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون، تونس، د.ت.
6- تطور تفسير القرآن: د. محسن عبد الحميد، بيت الحكمة، جامعة بغداد، 1989م.
7- التفسير القرآني: د. فاضل صالح السامرائي، بيت الحكمة، جامعة بغداد، 1986م.
8- الجامع لأحكام القرآن: محمد بن أحمد القرطبي (ت 671هـ) الهيئة المصرية العامة للكتاب، د.ت.
9- دلائل الإعجاز: عبد القاهر الجرجاني، تصحيح وتعليق محمد رشيد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1988م.
10- العقيدة الإسلامية ومذاهبها: د. قحطان عبد الرحمن، كتاب ناشرون، لبنان، 1432هـ 2011م.
11- قراءات في فكر سعيد النورسي –السنة النبوية: أديب إبراهيم الدباغ، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، مطبعة الشعب، بغداد، ط1، 1405هـ 1985م.
12- الكشاف: جار الله محمود الزمخشري (ت 548هـ) دار الكتاب العربي، بيروت، 1947م.
13- محاكمات عقلية في التفسير والبلاغة والعقيدة: بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، مطبعة المنير، بغداد، ط1، 1411هـ 1991م.
14- المحرر الوجيز: محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي، وزارة الأوقاف، دولة قطر، ط2، 2007م.
15- مقدمة في أصول التفسير: ابن تيمية الحراني الدمشقي، تحقيق محمود نصار، مكتبة التراث الإسلامي، د.ت.
16- مناهل العرفان: محمد عبد العظيم الزرقاني، دار إحياء الكتب العربية، د.ت.
الموافقات: أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي (ت 790هـ) دار الفكر، بيروت، د.ت.


* * *


الهوامش:


1 أستاذ التفسير في كلية الإمام الأعظم الجامعة ورئيس قسم أصول الدين/ الفلوجة، العراق
2 ينظر: كتاب السنة النبوية، قراءات في فكر سعيد النورسي، لأديب إبراهيم الدباغ:

13 – 14.

3 الإشارات: 29.
4 ينظر: مقدمة الكتاب للدكتور محسن عبد الحميد: 6.
5- الإشارات: 21 – 22.
6- ينظر: الإشارات: 22.
7 الإشارات: 26.
8 ينظر في ذلك: الموافقات للشاطبي: 3/ 257، والبرهان: 1/ 29.
9 البرهان: 1/ 29 - 30.
10 ينظر: الإشارات: 28.
11 ينظر بعض التعريفات: إرشاد الفحول للشوكاني: 62.
12 الإشارات: 29 – 30.
13 الإشارات: 62 – 63، وينظر أيضا: 69.
14 الإشارات: 92.
15 مقدمة في التفسير: 48.
16 الإشارات: 220 – 221 بتصرف يسير، وينظر: محاكمات عقلية: 25.
17 ينظر: الإشارات: 221 بتصرف.
18 ينظر: تطور التفسير للدكتور محسن عبد الحميد: 19.
19 الإشارات: 222.
20 الإشارات: 285.
21 الإشارات: 287 – 288.
22 الإشارات: 69.
23 الإشارات: 89.
24 الإشارات: 33، 219، ومحاكمات عقلية: 65.
25 الإشارات: 148، 219.
26 ينظر: مناهل العرفان: 2/ 179.
27 ينظر: الإتقان: 3/ 13 وما بعدها، مناهل العرفان: 2/ 183، العقيدة الإسلامية ومذاهبها، د. قحطان الدوري: 353.
28 الإشارات: 50.
29 ينظر: البرهان: 3/ 12 وما بعدها.
30 ينظر: التعبير القرآني، للدكتور فاضل السامرائي: المقدمة وما يليها.
31 الإشارات: 71.
32 ينظر: التحرير والتنوير: 1/ 238.
33 المحرر الوجيز لابن عطية: 3/ 377.
34 الإشارات: 155.
35 ينظر: إرشاد الفحول للشوكاني: 45 وما بعدها.
36 ينظر: مقاييس اللغة: 1/ 3.
37 ينظر: التفسير الموضوعي التأصيل والتمثيل، د. زيد عمر العيص: 555.
38 ينظر ذلك في كتب الأصوليين، منها على سبيل المثال لا الحصر: إرشاد الفحول: 51 وما بعدها.
39 ينظر هذا المثال ص: 171 – 174 باختصار من كتابه الإشارات.
40 ينظر: الإشارات: 207 – 214.
41 الإشارات: 215 – 216.
42 الإشارات: 223 – 225.
43 ينظر: الإشارات: 226، وينظر: تفسير القرطبي: 1/ 73، والبرهان: 2/ 106 – 107، والإتقان: 4/ 15.
44 الإشارات: 230.
45 ينظر: الإشارات: 226 – 228، والإتقان: 4/ 5، وإعجاز القرآن للباقلاني: 37.
46 ينظر: الإشارات: 149، وينظر: دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني: 282.






 

أرشيف ملف العدد

10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. المجاهدة والتوريث عند النورسي
. أواصر العناصر الكونية من منظور الأستاذ النورسي
. قاعـدة "الفنـاء في الإخـوان" في فكر بديـع الزمـان
9 - المقاصد في رسائل النور
. أساسيات منهج الفكر المقاصدي عند النورسي
. المقاصد القرآنية في فكر النورسي
. مقاصد القرآن من خلال رسائل النور
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. منهج النورسى في شرح أسماء الله الحسنى
. نحو رؤية جديدة للدلالة النفسية لأسلوب التكرار في القرآن الكريم
. التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير
. قواعد في تفسير القرآن عند النورسي من خلال إشارات الإعجاز
7 - النورسي والتصوف
. النورسى ورؤيته للتصوف المعاصر
. نظرات في الأدب الصوفي عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي والتصوف
. أهمية روحانية النورسي المتبصرة في عالم مادي متأزم
6 - دعوة رسائل النور
. دعوة رسائل النور: هل هي حركة؟ أم جمعية؟ أو جماعة؟
. المنهج العوفي وإعلاء كلمة الله عند بديع الزمان
. التبليغ والارشاد في رسائل النور
. العمل الإيجابي القاعدة الثابتة لعمر مديد
. المرأة الإصلاحية في فكر الشيخ النورسي
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. من الأسس الفكرية والحضارية في رسائل النور
. البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي
. منهجيّة الاهتمام بعبادة التّعمير، سؤال استعادة الأمة وظيفة الشهادة عند الأستاذ النورسي
. الرؤية الحضارية من خلال رسالة الاقتصاد
. قراءة تحليلية في النظرة النورية إلى المسألة الغربية
4 - أسس التربية في رسائل النور
. تربية النفوس عند بديع الزمان النورسي
. المقاصد العملية للتربية السلوكية عند بديع الزمان النورسي
. منهج التربية عند النورسي
. من ملامح التربية السلوكية عند النورسي
. الحكمة وفصل الخطاب في منهج التربية عند النورسي
3 - أسس التربية في رسائل النور
. القرآن العظيم مصدراً للتربية السلوكية عند بديع الزمان النورسي
. التربية السلوكية عند النورسي
. الأبعاد التربوية لدرس العقيدة عند النورسي
. التجرد ونبذ الأنانية عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي ومشروعه الإصلاحي في التربية والتعليم
2 - التعليم في رسائل النور
. كتاب الكون قراءته وموقعه وتطوره في فكر بديع الزمان
. الخلفية البراديغمائية لأزمة البيئة والتوجه العلمي الكوني عند النورسي
. موقع نظرية العلم في عملية الاستخلاف والتحضر عند النورسي
. التعليم طريقا للتحضر، قراءة في رسائل النور
1 - المنهجية في رسائل النور
. منهج النورسي في إحصاء أسماء الله الحسنى
. عالم الغيب في المنظور النورسي
. منهج النورسي في التعامل مع الأسماء الإلهية الحسنى
. مقاصد الحياة وغاياتها في فكر سعيد النورسي من خلال رسائل النور
. المنهج الواقعي في دراسة قضايا الإيمان رسائل النُّورْسي أنموذجا

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80