البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي

البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي



أ.د. عبد المجيد النجار1


تتوقّف المذاهب الإجتماعية والحركات الإصلاحية في نجاحها وفشلها إلى حدّ كبير على صوابها وخطئها في تقديرها لحقيقة الإنسان، ولا غرو، فإنّ الإنسان هو المادّة التي تعالجها تلك المذاهب والحركات بالتغيير، وهو ما يستلزم المعرفة الصّحيحة بحقيقته في أبعادها المختلفة، حتّى يكون التعامل معه على أساس تلك الحقيقة، فتثمر المعالجة بما يتّفق مع الغايات المنشودة. وحينما يحدث الخطأ في تقدير حقيقة الإنسان، فإنّ المآل يكون الفشل الذّريع، ولعلّ من أوضح الشواهد على ذلك وأقربها زمنا منّا، المآل الذي آل إليه المذهب الشيوعي، حيث قُدّر الإنسان فيه على أنّه ذو بعد واحد؛ هو البعد المادّي في حقيقته تكويناً وغاية ومصيراً، فانهار المذهب دون إنجاز ما رسم من آمال في تحقيق الخير والسعادة للنّاس.


وإذا كانت المذاهب والحركات تسعى دوما لأن تقيم مشاريعها على تقدير لحقيقة الإنسان الذي تقوم لمعالجة أوضاعه، فإنّها تكون أحيانا كثيرة في تقديرها لتلك الحقيقة جارية على نحو من التلقائيّة التي تسري فيها التّصوّرات من تلقاء المعتقدات الدّينيّة أو المبادئ الفلسفية، في غير تقدير مصنوع بالنّظر يفضي إلى صورة متكاملة للإنسان في أبعاده المختلفة فيما يشبه العلم المستقلّ أو الفرع المتميّز من علم من العلوم. ولكنّها قد تكون أحيانا أخرى جارية في التّقدير على أساس من الصّنعة المستقلّة لفرع علميّ يختصّ بتقرير حقيقة الإنسان بصفة شاملة، وهو ما انتهت إليه المذاهب الغربية الحديثة التي أصبحت تقوم في بعدها الفلسفي، وفي نظمها التطبيقيّة على ما يسمّى بعلم الإنسان، ذلك الذي أصبحت الحضارة السائدة اليوم تقوم عليه.


والثقافة الإسلامية وما أثمرت من حضارة، كانت هي أيضا متأسّسة على تصوّر لحقيقة الإنسان، ولكنّه كان تصوّراً سارياً في الأذهان على سبيل التلقائيّة، مضمّنا في اليقين بالمعتقدات الدّينيّة، ولم ينشأ2 في تلك الثقافة تصوّر للإنسان مصنوع بالنّظر المستقلّ، فيما يشبه الفرع العلمي المتميّز الذي يوازي سائر الفروع العلميّة الأخرى، ونحسب أنّ سبب ذلك هو عدم قيام الدّاعي لهذه الاستقلالية، فقد كانت العقيدة الإسلامية في مجملها بما تحمل في ثناياها من تقدير للإنسان في بعده التّكويني والغائي، كافية لكي يتأسّس عليها المشروع الحضاري الذي أُنجز محقّقاً للإنسانية الخير العميم، بناءً على ما تحمله تلك العقيدة في ثناياها من تقدير للحقيقة الإنسانيّة.


ولكنّ الثقافة الإسلامية اليوم أصبحت في وضع غير الوضع الذي كانت عليه عهد الازدهار؛ إذ هي في هذا الوضع غدت في تدافع شديد مع مذهبيّات عاتية، مسلّحة من بين ما هي مسلّحة به بفلسفة متكاملة للإنسان في أبعاده المختلفة، وعلى تلك الفلسفة تُبنى المذاهب والمشاريع النظريّة والتطبيقيّة، وذلك ما يقتضي أن يتأسّس في الثقافة الإسلامية فرع علمي يختصّ بتقرير حقيقة الإنسان تقريراً مستقلاّ، قائماً بذاته، يتأصّل على حقائق العقيدة الإسلامية، ويفرّع بالنّظر المصنوع تلك الحقيقة إلى أبعادها المختلفة، ليكون ذلك الفرع العلمي مرجعيّة بيّنة المعالم يرشّد مشروع التحضّر الإسلامي في أبعاده الثقافيّة والسياسيّة والإقتصاديّة، ويطاول الثقافات في مجال التدافع الحضاري العامّ.3


وفي سبيل تأسيس علم للإنسان من منظور إسلامي، كفرع علمي مستقلّ يكون من الضّروري الرّجوع إلى التراث الثّقافي الإسلامي للاستفادة منه في هذا الموضوع، فهذا التّراث، وإن لم يكن كما أشرنا قد اشتمل على نظر مصنوع مستقلّ بموضوع الإنسان، فإنّه لم يُعدم بيانات في هذا الخصوص على قدر كبير من الأهمّيّة،4 فيكون جمعها وترتيبها وشرحها مادّة مساعدة على الانطلاق في صناعة علميّة مستقلّة لموضوع الإنسان، قائمة على أساس عقدي، وتنبني إذن هذه الصّناعة على تعاليم الوحي تأسيساً، وعلى بيانات التراث إثراء واستئناساً.5


وإسهاماً في تحقيق هذا الغرض؛ فإنّنا نحاول تالياً أن نستجلي ما في تراث بديع الزمان النورسي من بيانات متعلّقة بتصوّره لعنصر من عناصر حقيقة الإنسان، وهو عنصر”البنية الإنسانية في دلالتها العقدية”، تمهيداً بالعوامل التي أدّت به إلى بحث موضوع الإنسان عامّة، والموجّهات الأساسية التي وجّهته فيه، ثمّ عرضاً لبعض النماذج التي نظمت آراءه وتصوّراته في ذلك العنصر من حقيقة الإنسان عامّة، يدفعنا في ذلك ما وقفنا عليه في هذا الخصوص من عمق في الطّرح وثراء في المادّة.


1. العوامل والمُوجِّهات:


القارئ لتراث بديع الزمان النورسي متمثّلا في مؤلّفاته ورسائله وخطبه وتأمّلاته، يلحظ اهتماماً كبيراً بقضيّة الإنسان، فهو وإن لم يكن حسب علمنا قد خصّص مؤلَّفاً مستقلاّ لهذا الموضوع، فإنّه تناوله بالبحث في مواطن عديدة ومناسبات مختلفة،6 ويشعر القارئ بأنّ ذلك التناول كان تناولاً مقصوداً بالأصالة وليس عرضياً طارئاً؛ إذ هو بالإضافة إلى كثرة المواطن التي تعرّض فيها بالبحث لقضيّة الإنسان، تراه في بحثه يفصّل القول تفصيلاً، ويتناول فيه الموضوع بشمول، ويؤصّل فيه رؤاه في تعاليم الوحي، ويدافع مخالفات الرّأي من الثقافات الأخرى بالاستدلال، وكلّ ذلك دالّ على أنّ النورسي كان ينزع إلى تأسيس رؤية إسلامية متكاملة لحقيقة الإنسان، وإن لم تكن تلك الرّؤية قد حظيت عنده بمؤلّف مستقلّ، وربّما كان ذلك بسبب من منهجه في التّأليف الذي نحا في عمومه منحى الإرشاد الإصلاحي، ممّا اقتضى منه مسلك المقالة، التي تتوخّى المناسبات، أكثر ممّا اقتضى مسلك التّأليف المطوّل المتكامل في القضايا المراد بيانها.


ولعلّ من أهمّ العوامل التي دفعت بالنّورسي إلى هذا الإهتمام بقضيّة الإنسان فيما يشبه الريادة بالنسبة للثقافة الإسلامية الحديثة؛ ما كان عليه من منزع صوفي عميق انتهت إليه حياته الروحية، فقد كان بذلك المنزع يستشعر بعمق حقيقة الإنسانية التي هي المَجْلى الأكبر لتحقّق الصّفات الإلهية، فهي إذن الرّابط الأمتن بالله تعالى، ويكون الاشتغال فيها بالتّأمّل والنظر والبحث ضرباً من ضروب العبادة العالية الواصلة بالله تعالى.


ولا يبعد أن يكون من عوامل ذلك أيضا ما انخرط فيه بديع الزمان انخراطاً كلّياً من مشروع الإصلاح الإسلامي، الذي يستهدف إصلاح الذّات الإنسانيّة الفردية، كما يستهدف البعد الجماعي للإنسان متمثّلا في الهيئة الإجتماعية العامّة، وكلّ ذلك يستلزم أوّل ما يستلزم التّعمّق في فهم حقيقة الإنسان على أساس إسلامي، ليكون ذلك منطلقا للإصلاح المبتغَى منه تحقيق النّهضة على أسس إسلامية أيضا.


وقد وافى النورسي في تبشيره الإصلاحي زمن عنفوان الهجمة الثقافية الغربية، متأسّسة في بعدها الفلسفي والحضاري على تصوّر متكامل للإنسان، مبنيّ على اعتباره الكائن ذا البعد المادّي في تكوينه وغايته ومصيره، وهو ما أدّى فيما أدّى إلى كوارث حلّت بالإنسان من حيث كان يُبتغى إسعاده، وقد عايش هو بذاته من تلك الكوارث حربين عالميتين، بل طاله شخصيّاً من مآسيها شيء كثير مع من طال من ملايين البشر، فكان ذلك عاملاً أيضا كي يتأمّل النورسي بعمق في حقيقة الإنسان، ويخرج من ذلك بتصوّر لتلك الحقيقة يرى أنّه كفيل بجلب الخير للإنسانية، ودرء الشّرّ عنها.


ومن مجمل هذه العوامل، وتأسيساً على تعاليم الوحي التي كان موصولاً بها على حبل متين، تكوّنت الموجّهات العامّة التي وجّهت النّورسي في بياناته لحقيقة الإنسان، وحدّدت معالم تصوّراته فيها، فكانت منطبعة بتلك الموجّهات في ذاتها وفي أسلوبها، بحيث يساعد تبيّنها على فهم الصّورة التي رسمها النورسي للإنسان في أركانها المختلفة من حيث المحتوى ومن حيث الأسلوب على حدّ سواء.


الموجّه الأوّل:


أصول العقيدة الإسلامية فيما يتعلّق بحقيقة الإنسان، فقد كان النورسي يتّخذ مرجعيته في هذا الموضوع دوماً من نصوص القرآن والحديث، منها ينطلق وإليها ينتهي، وعليها يؤسّس كلّ بيان، بل لقد كانت أكثر بياناته وتقريراته في طبيعة الإنسان ومهمّة وجوده ومصيره، استنتاجات استخرجها من التأمّل في آيات قرآنية، فجرت مجرى التّفسير لها، وهو ما حفلت به رسائل النّور، التي كان في الغالب يصدّر كلاّ منها بآيات قرآنية، ثمّ ينطلق في شرحها والاستنتاج منها؛ ليبني على أساسها تصوّره لحقيقة من حقائق الإنسان.


الموجّه الثاني:


ما كان النورسي يقف عليه سبباً من أسباب التخلّف الذي يعوق المسلمين عن الانطلاقة الحضارية، وهو المتمثّل في الشّعور بالهزيمة النفسيّة التي أفضت إلى أن يرى المسلم نفسه صغيراً ضعيفاً، وينتهي به الأمر إلى أن تهتزّ ثقته بذاته الإنسانية، فلا يكون له إذن أن يتجاوز وضعه الحضاري المتخلّف بالمبادرة والإقدام اللّذين لا ينشآن إلاّ من الشعور بقوّة الذّات الإنسانية فيه، فاستدعى ذلك منه أن يتّجه في نطاق مسلكه الإصلاحي إلى التبشير بصورة للإنسان، وخاصّة الإنسان المتحقّق بمعرفة الله على أنّه الأقوى في معرض الموجودات الكونية، والأعلى شأنا من بينها، ليتجاوز المسلم المنهزم داخليا بهذا التّصوّر هزيمته، وينطلق في مسيرة البناء.


الموجّه الثالث:


ما رأى النورسي من انحراف خطير في تقدير حقيقة الإنسان في الثقافة الغربية، التي كانت لها صولة شديدة الوقع في زحمة التدافع الحضاري، والتي منها صُنعت الحضارة السائدة في تطبيقاتها المادّية والمعنوية المختلفة، ففي تلك الثقافة اختُزلت حقيقة الإنسان في بُعد وحيد هو البعد المادّي، سواء في طبيعة تكوينه أو في مهمّة وجوده أو في مصيره، وذلك المفهوم الذي بشّرت به المذاهب المادّية على اختلاف ألوانها في إغراء بما تحقّق من رفاه مادّي كان له أثر مدمّر على الحياة الرّوحيّة للإنسان، فإذا هي حياة الحيرة والقلق في مستوى الأفراد، وإذا هي علاقات الاستعمار والحروب في مستوى الهيئة الاجتماعية البشرية العامّة.


إنّ ذلك كلّه استدعى من النورسي في سبيل مدافعة هذه الصّورة للإنسان، وما أثمرت من ثمار مُرّة؛ أن يؤصّل لصورة أخرى يبنيها على الحقيقة القرآنية، ويبشّر بها النّاس عامّة والمسلمين خاصّة؛ لتثمر في ذات الفرد الطّمأنينة والأمن، وتثمر في المجتمع البشري السلم والتعاون على التعمير؛ ولذلك فقد كان في بياناته المختلفة لحقيقة الإنسان ينتهج منهج العرض المزدوج لكلّ من الرّؤية القرآنية لحقيقة الإنسان، والرّؤية الفلسفيّة المعبّرة عن وجهة الثقافة الغربيّة، مبيّناً بالاستدلال وجوه الحقّ في الأولى ووجوه الباطل في الثانية،7 ليصبح ذلك إحدى الموجّهات في تقديره لحقيقة الإنسان تكوينا وغاية ومصيراً كما أراد أن يؤصّلها في العقيدة الإسلامية.


2. البعد العقدي للتّكوين الإنساني:


من بين العناصر العديدة المندرجة ضمن قضيّة الإنسان أولى النورسي أهمّيةً خاصّة للتّكوين الإنساني في أبعاده المادّيّة والرّوحيّة، فقد خصّص لذلك حجماً كبيراً في نطاق ما خصّص لقضيّة الإنسان عامّة. وإذا كان تناولُ هذا العنصر من قِبل الباحثين في موضوع الإنسان أمراً مألوفاً، فإنّ النّورسي بحث فيه بمنهج يحمل من ملامح الجدّة والابتكار ما لا نجده عند غيره إلاّ في الأقلّ بإشارات عارضة، أمّا هو فقد كان عنده منهجاً مطّرداً يكاد لا يتخلّف في أيّ موطن من مواطن البيان للتّكوين الإنساني، ممّا يدلّ على أنّه كان يقصد إليه قصداً، ويهدف منه إلى أهداف مخصوصة يريد أن يحقّقها في نطاق خطّته الإصلاحيّة العامّة. ونبيّن فيما يلي ملامح ذلك المنهج، ثمّ نعرض نماذج من المسائل التي أدرجها فيه متعلّقة بالبنية الإنسانية:


أ. ملامح المنهج:


يتمثّل ذلك المنهج في الرّبط المستديم بين الآيات التّكوينيّة في طبيعة الإنسان الجسمية والرّوحية وبين الدّلالات العقديّة لتلك الآيات، بحيث تُعرض كلّ آية من تلك الآيات في معرض البيان لبعدها العقدي الذي هو مرتبط بها ارتباطاً مكيناً في أصل الغاية من خلقها، كما هو مرتبط بها في الوظيفة الحياتيّة التي أُنيطت بالإنسان. إنّ التّكوين الإنساني بعناصره المختلفة يغدو في هذا المنهج عند النورسي، يشبه أن يكون رمزاً قيمته ليست في ذاته بقدر ما هي فيما يرمز إليه من أبعاد عقدية، وبالتّالي فإنّ وجوده الحقيقي ليس إلاّ في تأديته إلى ما يدلّ عليه من المعاني، ويرمز إليه من الأبعاد.


وغاية النورسي من هذا المنهج في شرح عناصر التكوين الإنساني تندرج ضمن غايته في الاهتمام بشرح حقيقة الإنسان عامّة، مع خصوصيّة في نطاق ذلك الاهتمام، فالرّبط بين آيات التّكوين الإنساني، وبين المدلولات العقدية لتلك الآيات حينما تصبح ثقافة أصيلة في تصوّر المسلم لحقيقة الإنسان، فإنّ من شأنه أن يجعله دائم الاستحضار لأبعاد الغيب، فيرتفع في أخلاقه وتصرّفاته عن أن يمارس صغائر الأعمال، إذ يرتفع به ما يستحضر من رفيع المعاني عن أن يستعمل آلاته التكوينيّة في غير ما يناسب مدلولاتها العقدية من رفيع السلوك في القول والعمل، فينتهي الأمر إذن بهذا المنهج إلى الترقّي في الممارسة من صغائر الأعمال إلى كبارها.


وحينما يرتبط في تصوّر المسلم أيضا آيات تكوينه بمدلولاتها، فإنّه يغدو ناظراً إلى نفسه بعين الاستعظام، إذ تلك الآيات في مظاهر ضعفها وقوّتها على حدّ سواء ليست إلاّ وسائل لغايات عظمى، ورموزاً لمعانٍ عليا، فقيمتها إذن ليست في ذاتها بقدر ما هي في غاياتها ومدلولاتها، وذلك من شأنه إذا ما صار يقيناً في النفس أن يشعر برفعة الذّات وقوّتها، وأن ينفض ما عسى أن يرين على القلوب من الشعور بالضّآلة والهزيمة، وتلك ما كانت حالاً للمسلم الذي عالجه النورسي بالإصلاح، إذ هو منهزم حضارياً ومستضعف لذاته نفسياً، فهذا المنهج من شأنه أن يقوّي في المسلم الشّعور بالذّات، ويجعله يتجاوز العطالة النّاشئة من ذلك الاستضعاف؛ لينطلق بما يشعر من قوّة الذّات في طريق المبادرة والفعل لينجز التعمير في الأرض.


إنّ هذا المنهج إذن هو منهج ذو بعد إصلاحي، وليس هو مجرّد آليّة من آليّات التحليل لشرح الحقيقة المجرّدة للإنسان، إذ قد وظّفه النورسي لإصلاح ما بذات المسلم الذي كان يتّجه إليه بالخطاب، ليحوّل إرادته من صغائر الغايات والأعمال إلى كبارها، ويحوّل ما بنفسه من شعور بالضّعف إلى شعور بالقوّة، وتلك كلّها شروط ضروريّة لتجاوز التّخلّف الذي كان عليه المسلمون ضارباً في الأعماق من نفوس الأفراد، والانطلاق في طريق النهضة التي لا تبدأ إلاّ من قوّة الفرد متمثّلة في استشعار رفعته قيمةً وغاياتٍ.


وفي نطاق هذا المنهج بأهدافه الإصلاحية تناول النورسي بالبيان عناصر متعدّدة من تكوين الذّات الإنسانية في بعدها المادّي والروحي، فإذا هو في كلّ مناسبة يتعرّض فيها بالشّرح لحقيقة الإنسان لا يفتأ يتطرّق إلى جانب من جوانب تكوينه في أعضائه الظّاهرة والباطنة، وفي غرائزه وطبائعه، وفي استعداداته وقدراته، وفي مظاهر ضعفه وقوّته، وفي آماله وأشواقه الرّوحيّة، فيشرح آيات الخلق في تلك الجوانب، ثمّ يخلص سريعاً إلى المقصد من ذلك الشرح، ليبيّن الدّلالة العقدية لتلك الآيات، ويوجّه الأنظار من ظواهرها المشهودة إلى أبعادها الغيبيّة، فيتحوّل الهمّ من الانشغال بالمقتضيات الصّغيرة لتلك الظّواهر إلى المقتضيات الكبيرة لأبعاد الغيب، ويكبر إذن الهدف فتكبر معه الجهود والأعمال، وتحدث حركة النّهوض. وإذا كانت الآيات التّكوينيّة في ذات الإنسان كما تناولها النورسي مرتبطة بأبعادها العقدية كثيرة متنوّعة، فإنّ بعضا منها تتجلّى فيه بصفة أكثر وضوحاً، وأبين غاية، هذه المنهجيّة الرّابطة بين الظّاهر المشهود والبعد الغيبي، وذلك ما نعرضه تاليا.


ب- الرّمزية العقدية لكينونة الإنسان:


يعمد النورسي قبل التفصيل في عناصر التكوين الإنساني من حيث دلالاتها العقدية إلى تناول الكينونة الإنسانية جملة، وبقطع النّظر عن تفاصيلها بالبيان من هذا المنظور المنهجي، فيشرح الكيان الإنساني من حيث هو موجود من موجودات الكون ذو طبيعة متّصفة بالوعي والمسؤولية، شرحاً يستطلع فيه ما وراء هذه الكينونة في جملة الطّبائع التي رُكّبت فيها من مدلولات تتجاوز كينونتها الظّاهرة إلى حقائق غيبيّة.


وفي هذا النّطاق يذهب في بيانه إلى أنّ كينونة الإنسان التي يعبّر عنها بـ “ماهية الأنا” ليست حقيقتها الوجوديّة مستمدّة من ذاتها، وإنّما هي مستمدّة من خارجها، أي من واهب الوجود لها وهو الله تعالى، فدلالة وجودها لا تُلتمس في ذاتها، بل تُلتمس من واهب الوجود لها، إذ تلك الكينونة لا تعدو أن تكون رمزا للوجود الحقّ، أو تابعاً من توابعه وظلاً من ظلاله. وفي هذا المعنى يرى النورسي أنّ على الإنسان أن “يفهم أنّ ماهيته حرفيّة، أي دالّة على معنى في غيره، ويعتقد أنّ وجوده تبعي، أي قائم بوجود غيره وبإيجاده، ويعلم أنّ مالكيته للأشياء وهمية، أي أنّ له مالكيّة مؤقّتة ظاهرية بإذن مالكه الحقيقي، وحقيقته ظلّية ليست أصيلة، أي أنّه ممكن مخلوق هزيل، وظلّ ضعيف يعكس تجلّياً لحقيقة واجبة حقّة”.8


وفي سبيل مزيد من توضيح هذه الصّورة بطريق المقارنة، يوازن النورسي بينها باعتبارها صورة لحقيقة الأنا الإنسانيّة، جاءت تبشّر بها النّبوّة، وبين الصّورة التي جاءت تبشّر بها الفلسفة، وهي صورة تمثّل وجهاً مناقضاً للوجه النّبوي، إذ الفلسفة “قد نظرت إلى (أنا) بالمعنى الإسمى، أي تقول: إنّ (أنا) يدلّ على نفسه بنفسه، وتقضي أنّ معناه في ذاته، ويعمل لأجل نفسه، وتتلقى أنّ وجوده أصيل ذاتي وليس ظلاّ؛ أي له ذاتيّة خاصّة به”.9 فكينونة الإنسان هي إذن في الصّورة النبويّة رمز دالّ على غيره متقوّم في وجوده به، وهي في الصّورة الفلسفيّة وجود معناه في ذاته، وهو دالّ على نفسه بنفسه.


إنّ هذه الصّورة لحقيقة الكينونة الإنسانيّة ليست قيمتها في ذاتها فحسب، بل قيمتها أيضاً فيما ينشأ عنها من آثار عمليّة في السّلوك الفردي والاجتماعي، وذلك ما كان النّورسي يعمل دوماً على استنتاجه في مقام البرهان على حقّيّة تلك الصّورة من تلقاء الثمرة العملية بعدما يكون قد استدلّ عليها استدلالاً نظريّاً، وذلك في سبيل مزيد من ترسيخ هذه الصّورة في الأذهان فتحدث فيها التغيير المطلوب.


ومن الآثار العملية لهذه الصّورة الأثر المعرفي، فالإنسان لمّا يكون معتبراً نفسه أثراً لله تعالى، متقوّماً في وجوده به، ورامزاً بكينونته إليه، فإنّه يفيض عليه من النّور ما يستطيع به أن يكشف عن الحقائق الكونيّة المحيطة به؛ إذ تلك الحقائق هي ذاتها مطبوعة بنفس ما الذّات الإنسانية مطبوعة به، فيفضي ذلك التّجانس إلى استقبال صحيح من قِبل النفس لمظاهر الكون، فتتمّ المعرفة الحقّ. وأمّا لو تصوّر الإنسان حقيقة نفسه بالصّورة الفلسفيّة فإنّ ذلك من شأنه أن يجعله “يتخبّط في درك جهالة مركّبة حتى لو علم آلاف العلوم والفنون؛ ذلك لأنّ ما تتلقّفه حواسّه وأفكاره من أنوار المعرفة المبثوثة في رحاب الكون لا يجد في نفسه مادّة تصدّقه وتنوّره وتديمه، لذا تنطفئ كلّ تلك المعارف، وتغدو ظلاماً دامساً؛ إذ ينصبغ كلّ ما يرد إليه بصبغة نفسه المظلمة القاتمة، حتى لو وردت حكمة محضة باهرة فإنّها تلبس في نفسه لبوس العبث المطلق”،10 وإذن فإنّ النّفس الإنسانيّة حينما يقع فيها أنّها ظلّ للوجود الأعظم؛ فإنّها تستقبل الإشارات المعرفيّة الكونيّة بما يحوّلها إلى معرفة حقّ، أمّا حينما يقع فيها أنّها قائمة في وجودها بذاتها فإنّها تعجز عن ذلك الاستقبال، فتضطرب عليها المعارف، ويفوتها تحصيل الحقائق.


وفي مجال الاعتقاد، فإنّ الصّورة النبويّة لكينونة الإنسان بما تقوم عليه من الرّمزيّة للموجود الأعلى تثمر في النّفس العبودية لله الواحد، إذ هي بتلك الرّمزيّة والظّلّية تثمر في النّفس بالنّسبة لمن يؤمن بها إيمانا بـ “أنّ الغاية القصوى للإنسانية؛ والوظيفة الأساسية للبشرية؛ هي التّخلّق بالأخلاق الإلهية، أي التحلّي بالسّجايا السامية، والخصال الحميدة، التي يأمر بها الله سبحانه، وأن يعلم الإنسان عجزه فيلتجئ إلى قدرته تعالى، ويرى ضعفه فيحتمي بقوّته تعالى”،11 وتلك هي العبودية لله تعالى في صورتها العالية.


وأمّا الصّورة الفلسفيّة بما تقوم عليه من تقدير الإنسان قائماً بنفسه، فهي تفضي بل قد أفضت عند الفلاسفة بالفعل إلى أن اعتبروا “أنّ الغاية القصوى لكمال الإنسانية هي (التشبّه بالواجب) أي بالخالق جلّ وعلا، فأطلقوه حكماً فرعونياً طاغياً، ومهّدوا الطّريق لكثير من الطّوائف المتلبّسة بأنواع من الشّرك... وذلك بتهييجهم الأنانية لتجري طليقة في أودية الشرك والضّلالة، فسدّوا سبيل العبودية لله”.12 فتصوّر الإنسان نفسَه إذن كينونة تابعة للوجود الحقّ وظلاّ له، يفضي إلى السّعي في التّخلّق بأخلاق الله، وهو ما ينتهي إلى التّوحيد الحقّ، وتصوّرها كينونة قائمة الذّات يفضي إلى السّعي في “التّشبّه بالواجب” كما هو شعار الفلاسفة، وهو ما ينتهي إلى الشّرك.


وفي المجال الاجتماعي، تثمر الصّورة النبويّة لكينونة الإنسان بقوامها الرّمزي ثقافة التعاون بين النّاس تصوّراً وعملاً؛ وذلك لأنّ التبعيّة للموجود الأعلى تفسح للتّابعين من أفراد النّاس أن يتكاملوا فيما بينهم بالتعاون، إذ هم متساوون في تلك التّبعيّة التي تكسر فيهم الأنانية الفرديّة، ذلك العائق الأكبر دون التعاون، والدّافع الأكبر للتّعادي والخصام.


وأمّا الصّورة الفلسفية، التي تقوم فيها كينونة الإنسان بنفسها، فإنّها تفسح المجال لثقافة الصّراع؛ إذ تشعر كلّ ذات بأنّها قائمة بنفسها، فتتشبّع إذن بالأنانيّة التي تتولّد منها تلك الثقافة، “فأين هذا الدّستور القويم، دستور التعاون، وقانون الكرم، وناموس الإكرام -النّاشئ من الصّورة النبويّة لكينونة الإنسان- من دستور الصّراع، الذي تقول به الفلسفة من أنّه الحاكم على الحياة الاجتماعية، علماً أنّ الصّراع ناشئ فقط لدى بعض الظّلمة والوحوش الكاسرة، من جرّاء سوء استعمال فطرتهم بحسبان أنّ معناها في ذاتها، وأنّها تدلّ على نفسها بنفسها”.13


إنّ كينونة الإنسان كما شرحها النورسي في أصل وجودها، وفي مجمع طبيعتها بما هي كينونة رمزية، تستمدّ حقيقتها من خارج ذاتها، وتنتهي إلى الوجود الحقّ الذي هو الله -سبحانه وتعالى-، إذا ما أصبحت في صورتها تلك إيماناً راسخاً للفرد المسلم، فإنّها تثمر في نفسه النّزوع إلى سلوك المسالك الصّحيحة معرفياً وعقدياً واجتماعياً، وذلك ما دفع به إلى التبشير بهذه الصّورة في نطاق مسلكه الإصلاحي، استنتاجاً استدلالياً من القرآن الكريم، ودحضاً للصّورة المقابلة التي كانت الفلسفة الغربية تروّج لها، فتجد بعض القبول والتّأثير في قطاع من المسلمين.


ج- دلالة التكوين على قيمة الإنسان:


إنّ قيمة الإنسان كما يرى النورسي يمكن أن تقدّر من قراءة صحيحة لتكوينه في بعديه الجسمي والرّوحي، سواء بقراءة ذلك التكوين اقتصاراً على نفس الذّات الإنسانية، أو مقارنة لها بسائر العناصر من الموجودات الكونية، فكلّ من هذه وتلك تفضي إلى علم بأنّ هذا الإنسان الذي أُعدّ في نفسه، وفي نسبته من سائر الموجودات على هيئته المخصوصة، التي هو عليها بأبعادها التركيبيّة والوظيفية؛ ليس إلاّ على درجات عليا من الرّفعة وعلوّ الشّأن، بحيث يقوم ذلك التكوين مقام الشّاهد اليقيني على تلك الدّرجات العليا.


على هذه المنهجية، جعل النورسي يثمّن قيمة الإنسان بقراءة آياته التّكوينية، بالنّظر إليها حينا في حدود ذاتها بما صُنعت عليه من دقيق الصّنعة، وما أُضمر فيها من عظيم الطّاقات، وبالنّظر إليها حينا آخر في صلاتها بموجودات الكون، من حيث استجماعها في التركيب لما تفرّق في الآفاق الواسعة العريضة، ومن حيث توافقها العنصري والكيفي مع مُركّبات الموجودات الكونية وأنظمتها في الحركة والتغيّر. وفي كلّ ذلك تراه يعرض المظهر التكويني عرضاً تصويرياً بسيطاً لكنّه دقيق، ثمّ يستخلص منه المغزى القيمي للإنسان، ليبيّن في الخلاصة أنّ هذا الإنسان تدلّ آيات تكوينه على رفعة شأنه وعلوّ مقامه، مدرجاً ذلك كلّه في غرض إصلاحي نبيّنه بعد حين.


ومن الأمثلة على هذا المنحى النورسي في تقدير حقيقة الإنسان؛ التّأكيد المتجدّد في بياناته لتكوين بنيته الظّاهرة والخفيّة، على أنّ تلك البنية الدّقيقة الصّنعة إنّما هي المجْلى الأعظم للصّنعة الإلهية، والمعرض الأكبر لصفاته تعالى وأسمائه الحسنى، فالله تعالى أحسن كلّ شيء خلقه، ولكنّ أعظم درجات حسنه إنّما هي تلك التي ظهرت في تركيب الإنسان، حتى غدا هذا التركيب هو أعظم درجات التّجلّي لصفاته تعالى، وكفى بذلك علوّ قيمة للإنسان، وكفى به رفعة في مقام العزّة والشرف، وفي ذلك يقول النورسي: “إنّ الإنسان بسرّ التوحيد صاحب كمال عظيم بين جميع المخلوقات، وهو أثمن ثمرات الكون، وألطف المخلوقات وأكملها”.14


والتركيب الإنساني قد أُودع فيه من عظيم القدرات ووفير الطّاقات، ومن لطيف الأسرار ودقيق الآلات ما ينبئ يقينا بأنّه أُعدّ لغايات عليا، وأُنيطت بعهدته مهامّ جسيمة تفوق الغايات والمهامّ التي خُلقت من أجلها جميع الكائنات الأرضية الأخرى، فقد “خلقه الله سبحانه على فطرة جامعة، لها من القدرة ما يثمر ألوف سنابل الأنواع، وما يعطي طبقات كثيرة بعدد أنواع سائر الحيوانات، إذ لم يحدّد سبحانه قوى الإنسان ولطائفه ومشاعره كما هو الحال في الحيوانات، بل أطلقها واهباً له استعداداً يتمكّن به من السياحة والجولان ضمن مقامات لا تحدّ، فهو في حكم ألوف الأنواع وإن كان نوعاً واحداً، ومن هنا أصبح الإنسان في حكم خليفة الأرض”، وكفى بمهمّة الخلافة من مهمّة عظيمة، وحيث كانت الخلافة هي المهمّة التي تقوم على العبادة، فتكون هذه أيضاً غاية عليا هُيّئ الإنسان في تركيبه لإنجازها، فـ “فطرة الإنسان وما أودع الله فيه من أجهزة معنوية تدلاّن على أنّه مخلوق للعبادة”،15 وفي خلاصة هذه الفكرة يقول النورسي: “فإنّ الإنسان لم يوهب له رأس مال العمر، ولم يودع فيه أجهزة إنسانية راقية؛ إلاّ ليؤهّله ذلك على تأدية الوظائف الجليلة المذكورة”.16


وقد استجمع الإنسان في تركيبه من العناصر ومن الهيئات الكيفيّة ما تفرّق في آفاق الكون، حتى غدا بذلك كخلاصة للعالم، أو كعالم صغير يحاكي في تكوينه ذلك العالم الكبير، ولمّا كان الإنسان على هذا النّحو من المحورية التكوينيّة للكون كلّه، وعلى هذا النحو من المركزية بالنّسبة لسائر الموجودات، فإنّه اكتسب العلوّ والرّفعة بالنّسبة للكون، كما تكتسب مستخلصات العطور الرّفعة بالنّسبة للنّباتات الكثيرة التي استخلصت منها، وأصبح تبعاً لذلك سيّداً للكون، وأصبح ما في الكون مسخّراً وخادماً لأغراضه، كما يكون الخادم في طاعة سيّده.


إنّ الله تعالى “إذا ما كتب -وهو الصانع المعجز المطلق- كتاب السماوات والأرض، ذلك الكتاب الضّخم في نسخة مصغّرة وهي الإنسان، وإذا ما جعل هذا الإنسان منتخباً وخلاصة كاملة لذلك الكتاب، فإنّه -أي الإنسان- سيملك ذلك الشرف والكمال والقيمة العالية،17 فهذه المركزيّة الكونية في التكوين الإنساني أكسبت الإنسان إذن قيمة إضافية في نسبته من الكون تؤكّد وتعزّز تلك القيمة التي أكسبته إيّاها طبيعته الذّاتية.


إنّ هذه المرتبة الرفيعة، ذات التّحقّقات المختلفة التي حرص النورسي أيّما حرص على أن يبيّنها مدلولاً لتكوين الإنسان بالنّظر إلى ذاته، وفي نسبته من الكون، إنّما كان ينحو في تبيانها منهجاً تربوياً إصلاحياً، ويوجّهها بذلك في تحقيق غايته القائمة على تغيير ما عليه المسلمون في ذوات الأفراد وفي هيئة المجتمع، فهو إنّما كان يبرز تلك الرّابطة الدّلالية بين تكوين الإنسان وقيمته ليشيع في النفوس بما تتشرّبه من يقين التّلازم بين الطرفين الشّعور الرّاسخ بقيمة الذّات وعلوّ الشّأن وجسيم المسؤولية، فإذا المرء لمّا ينظر في نفسه -وهو النّاظر فيها في كلّ أحواله- يتيقن من ملاحظة تركيبه بأنّه خُلق لأمر عظيم، وإذا هو بذلك اليقين يسعى في ممارسات عملية يبلغ بها من الجدّ والدّأب والإتقان ما يتناسب مع ما هو عليه من قيمة رفيعة، وما هو معدّ له من مهمّة جسيمة، وإذا هو أيضا ينصدّ عن أن يأتي الصّغائر من الأعمال، ويهدر جهده في سفاسف الأمور، إذ كيف وهو الرّفيع الشّأن يأتي ما هو صغير حقير؟


ذلك المعنى هو الذي عبّر عنه النورسي في منحى توجيهي إصلاحي، إذ يقول: “أتحسبون أنّ مهمّة حياتكم محصورة في متطلّبات النّفس الأمّارة بالسّوء، ورعايتها بوسائل الحضارة إشباعا لشهوة البطن والفرج؟ أم تظنّون أنّ الغاية من درج ما أُودع فيكم من لطائف معنوية رقيقة، وآلات وأعضاء حسّاسة، وجوارح وأجهزة بديعة، ومشاعر وحواسّ متجسّسة؛ إنّما هي لمجرّد استعمالها لإشباع حاجات سفليّة لرغبات النفس الدّنيئة في هذه الحياة الفانية؟ حاش وكلاّ”،18 إنّ خلق تلك اللّطائف والحواسّ والمشاعر؛ إنما هو للقيام بمهمّة في الحياة أعلى وأسمى من ذلك كلّه، تلك هي مهمّة الخلافة القائمة على عبادة الله تعالى ترقيةً للذّات الإنسانية وتعميراً في الأرض.


د- البعد الأخروي في التكوين الإنساني:


إنّ التّكوين الإنساني في بعديه المادّي والرّوحي، حينما يُتأمّل بالنّظر الدّقيق بما يفوق لحظة وجوده الرّاهنة إلى الدّلالات الزّمنية لتركيبه؛ فإنّ ذلك التّأمّل يفضي إلى يقين بأنّ هذا التّكوين يمتدّ في دلالته الزمنية إلى ما يتجاوز مقدّراته من الحياة في هذا العالم المشهود إلى آماد أخرى من الحياة، تمضي في الزّمن إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وتلك هي حياة الخلود التي ليس لها نهاية. هذه فكرة انشغل بها النّورسي انشغالاً كبيراً في مضمار شروحه لحقيقة الإنسان من حيث آياته التكوينيّة، ودلالاتها العقدية، وخصّص لها في رسائله، وخطبه، وإرشاداته، مساحة واسعة. وقد ركّز في تبيانها على جهتين أساسيتين من جهات تكوين الإنسان من حيث دلالة كلّ منهما على الحياة الأخرى، فكان إذن جاعلاً البعث في الحياة الأخرى بعداً من أبعاد تكوين الإنسان.


الجهة الأولى من تلك الجهتين، هي ما رُكّب عليه الإنسان من أجهزة مادّية وروحية، ومن استعدادات وقدرات، فهذه كلّها تبلغ في التّركيب الإنساني من دقّة الصّنعة وإتقانها، ومن القدرة على العطاء والكفاءة في الأداء، ومن طاقة الإنجاز وقوّة الفعل؛ ما تتجاوز به آماداً بعيدة حاجات الإنسان ومطالبه في حياته القصيرة، فتلك الحاجات والمطالب يمكن أن تُلبّى بما هو أقلّ من ذلك بكثير من التّكوين الإنساني، فلماذا إذن أُضمرت في ذلك التّكوين من المقدَّرات أكثر بكثير ممّا يحتاجه الإنسان في حياته الدّنيويّة القصيرة لو كانت تلك الحياة تنتهي بالموت؟


يأتي جواب النورسي على هذا السّؤال، بأنّ المقدّرات الواسعة للتكوين الإنساني إنّما هي دالّة دلالة القطع على أنّ حياة الإنسان ممتدّة في الوجود إلى ما بعد هذه الحياة الدّنيا، حيث يكون البعث والحشر والحساب، ثمّ الخلود في حياة أبدية، وتلك المقدّرات الواسعة للتّكوين الإنساني إنّما خُلقت على ذلك النّحو لتُصرف في جزء منها على المطالب المحدودة للحياة المشهودة، ثمّ لتُصرف فيما زاد على ذلك لتلبية مطالب أخرى تقتضيها الحياة الباقية في أقدار غير محدودة، إذ هي سعادة غير خاضعة لقياس كمّي ولا زمني، وعلى هذا النّحو يتمّ التّكافؤ بين مقدّرات التكوين الإنساني، وبين الآماد الزمنيّة للحياة المحدود منها والباقي، ويتمّ التّعادل المنطقي بين الطّرفين، وينتهي ذلك التفاوت بين قدرات الإنسان وما تتطلّبه حاجاته الضّروريّة في حياته الدّنيا.


يقول النورسي في بيان هذه المعاني، أو ما هو قريب منها: “كلّ ذي شعور يعلم أنّ الله -سبحانه- قد خلق هذا الإنسان في أحسن تقويم، وربّاه أحسن تربية، وزوّده من الأجهزة والأعضاء كالعقل والقلب ما يتطلّع به إلى السّعادة الأبدية ويسوقه نحوها، ويدرك كذلك مدى الظّلم والقسوة إذا ما انتهى مصير هذا الإنسان المكرّم إلى العدم الأبدي، ويفهم كذلك مدى البعد عن الحكمة في عدم البعث الذي يجعل جميع الأجهزة، والقوى الفطرية، التي لها آلاف المصالح والفوائد دون جدوى، ودون قيمة، في الوقت الذي أودع سبحانه مئات من الحكم والفوائد في دماغه فحسب”.19


والجهة الثانية من جهات التكوين الإنساني في مضمار دلالتها على الحياة الأخرى، هي المتعلّقة بما هو مضمر في النّفس البشريّة من الآمال والأشواق والمطالب الرّوحية، فهذه النّفس تنطوي من ذلك على أقدار واسعة جدّاً تتجاوز إلى غير حدّ ما هو متاح لتلبيتها في حياة الشّهادة، فالإنسان ينطوي على حبّ للعلم لا يشبعه المتاح في حياته، بل لا تكفي تلك الحياة لإشباعه، وينطوي على شوق للبقاء لا يلبّي منه العمر إلاّ شيئاً قليلاً، وينطوي على تطلّع للسّعادة لا يتحققّ منها في الحياة الدّنيا إلاّ النّزر اليسير، وقد لا يتحقّق منها شيء. فكيف يمكن تفسير هذا التّفاوت بين تكوين الإنسان في أشواقه وآماله وتطلّعاته، وبين الممكن تحقيقه منها في الحياة؟


يجيب النورسي على هذا السّؤال بنفس المنهج الذي أجاب به على السّؤال الذي قبله، فيذهب إلى أنّ هذه الأقدار الواسعة من آمال الإنسان وأشواقه التي لا تجد لها في الحياة الدّنيا تحقّقا ممكنا، إنّما تحمل في نفسها دلالة على أنّ حياة الإنسان ليست هي هذه الحياة التي تعجز عن تحقيق تلك المطالب والأشواق، بل هي حياة ممتدّة بعد الموت إلى آماد الخلود، حيث يمكن هناك أن تتحقّق كلّ الآمال والأشواق والتّطلّعات.


وفي بيان هذا المعنى قال النورسي: “إنّ حقيقة الإنسان وكمالاته، وحاجاته الفطرية، وآماله الأبدية، وحقائقه واستعداداته، تتطلّب النتائج والفوائد المذكورة للإيمان بالآخرة، وتدلّ قطعاً على الآخرة، وعلى الجنّة، وعلى لذائذ مادّيّة محسوسة باقية، وتشهد على تحقّقها”،20 وقال في موطن آخر: “ما دام الإنسان مشتاقاً فطرةً لجمال باق، وقد خلق محبّاً لذلك الجمال... وإنّ الجمال الباقي لا يرضى بمشتاق زائل... فلا بدّ أنّ هذا الإنسان سيبعث إلى دار البقاء والخلود، ولا بدّ أن سينال حياة باقية دائمة”،21 وفي خلاصة هذه الفكرة “ما دام جميع لذائذ الدّنيا لا تشبع الخيال الذي هو أحد خدّام الماهية الإنسانيّة، فلا بدّ أنّ حقيقة الماهية الإنسانيّة الجامعة الشّاملة جدّاً مرتبطة فطرة بالخلود والبقاء”.22


إنّ الإنسان إذن ينطوي على قدرات واستعدادات تزيد عن حاجته من مطالب حياته الدّنيا، ومن جهة أخرى ينطوي على أشواق وآمال لا يكفي ما في هذه الحياة لتحقيقها، وفي كلا الجهتين ميلان غير مقبول في ميزان العقل لو قُدّرت الحياة على أنّها منحصرة في هذه الفانية، وليس من حلّ منطقي يعدّل طرفي المعادلة في الوجهين، ويبعد ما ينطوي عليه ذلك الميلان من العبثيّة في الخِلقة الإنسانيّة إلاّ بحياة أخرى تمتدّ إلى الأبد، وتصل بها الاستعدادات والقدرات إلى مداها في تحقيق مقتضياتها، كما تصل فيه الأشواق والآمال إلى مداها في إشباع مطالبها.


إنّ النورسي لم يكن في بياناته هذه، كما درج عليه في كلّ بياناته في هذا الشّأن محلّلاً نظرياً، أو مقرّراً فلسفيّاً، ولكنّه كان يدرج هذه البيانات في نسق تربوي إصلاحي، فحينما يقع في نفس المسلم أنّ تركيبه الذّاتي المادّي والمعنوي يشهد بحياة البقاء، ويرمز إليه ويدلّ عليه، فإنّ هذه الحياة ستكون قائمة في الوعي حاضرة فيه باستمرار، وهو ما من شأنه أن يحفّز الإرادة للعمل في هذه الحياة الدّنيا بما يدفع الاستعدادات والقدرات إلى مدى طاقاتها اطمئناناً لريعها الذي سيكون في الآجل بعد استيفاء العاجل، وبما يفضي إلى إشباع الأشواق والآمال إشباعاً تسعه حياة البقاء إن لم تسعه حياة الفناء، وفي كلّ من هذا وذاك يُثرَى عمل الإنسان في كمّه وكيفه، فتعمر به حياة الإنسان في الدّنيا والآخرة.


ويمتدّ النّورسي بآثار هذا الارتباط في ذهن المسلم بين حقيقة تركيبه وبين دلالتها على الآخرة إلى المجال الاجتماعي، فهو بعدما يبيّن دلالة التكوين الإنساني على الآخرة، يستنتج ما يفضي إليه الإيمان بتلك الدّلالة من أثر في الرّوابط الاجتماعية، فيقول: “ما إن يأتي الإيمان بالآخرة إلى هذا الإنسان، ويمدّه ويغيثه، حتى يحوّل ذلك الزّمن الضّيّق الشبيه بالقبر إلى زمان فسيح واسع جدّا، بحيث يستوعب الماضي والمستقبل معا، فيريه وجوداً واسعاً بسعة الدّنيا، بل بسعة تمتدّ من الأزل إلى الأبد، وعندئذ يقوم هذا الإنسان باحترام والده وتوقيره، بمقتضى الأبوّة الممتدّة إلى دار السّعادة وعالم الأرواح، ويساعد أخاه ويعاونه بذلك التّفكير بالأخوّة الممتدّة إلى الأبد، ويحبّ زوجته ويرفق بها ويعاونها لأنّها أجمل رفيقة حياة له حتى في الجنّة”.23


هذه نماذج من المنهج الذي انتهجه النورسي في شرح حقيقة الإنسان، فيما يتعلّق منها بالجانب التّكويني فيه، سالكاً مسلك الرّبط بين المظاهر التّكوينيّة وبين مدلولاتها العقدية، جاعلاً تلك المدلولات بعداً أساسياً من أبعاد مظاهر التّكوين، وجزءً مكمّلاً لحقيقتها، بحيث يقف النّاظر فيها على الوجه الظّاهري المشهود، والوجه العقدي الغيبي؛ كوجهين لحقيقة واحدة، ليكون من ذلك أثر فاعل في النّفس، مغيّر ما بها، دافع بالإرادة إلى مقتضيات الوجه العقدي الغيبي من الفعل الثريّ الذي يعمر الحياة.


إنّه منهج في التّقرير العقدي لمفهوم الإنسان من شأنه أن يؤسّس فرعاً من فروع علم العقيدة، ينظّر للإنسان موضوعاً قائماً بذاته، ليكون مرجعاً لكلّ ما يُبنى من نظم في نطاق مشروع النّهضة الإسلامية، وليفعّل إرادة المسلم بما يصبح للبعد العقدي من مدخل في تصوّره لحقيقة نفسه، وبما يكون للاستدلال العملي ببيان المنفعة الواقعيّة للعقيدة التّصديقيّة النظرية من استنفار للنزوع إلى المبادرة والفعل والإنجاز، فيصحّ إذن في حال المسلم الفكر والعمل معاً، وتلك هي الشروط الضروريّة التي لا تكون نهضة بدونها.


وإنّ هذا المنهج النّورسي لحريّ بأن يُدرس لتتبيّن معالمه، وأن تُجمع عناصره، وتؤلّف أجزاؤه، ليبدو صورة متكاملة سوف تكون -بدون شكّ- مفيدة كبير الفائدة في سبيل إنشاء علم الإنسان الإسلامي. وليت بديع الزمان خفّف في منهجه هذا قدراً مّا من منزعه الصّوفي، الذي نحا به في تقريره لحقيقة الإنسان منحى الإصلاح الرّوحي، الذي يغلب فيه معنى التّعبّد كصلة مباشرة بالله تعالى، ويضمر فيه إلى حدّ كبير معناه كصلة بالله بطريق التّعمير في الأرض، فهي عبادة توازي العبادة في معناها المباشر، والمسلمون اليوم في أشدّ الحاجة إلى أن يُصحّح في أذهانهم هذا المفهوم لينطلقوا في عبادة الله تعالى بالتّعمير في الأرض؛ كجزء أساسيّ من مفهوم الخلافة. وهذا ملحظ ينبغي فيما نرى أن يؤخذ بالتّلافي، لمّا يُستفاد من هذه المنهجيّة النّورسيّة في تقرير حقيقة الإنسان، فيقع تطوير هذه المنهجيّة في اتّجاه الاهتمام بعبادة التّعمير.


* * *


الهوامش:


1 أ.د. عبد المجيد النجار: باحث متفرغ، تونس.
2 يمكن أن يستثنى من ذلك ما دوّنه الراغب الأصبهاني في كتابه “تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين”، “فقد خصّصه لمبحث الإنسان، وفصّل فيه حقيقته في أبعادها المختلفة بتأصيل قرآني، فيما يُعدّ طفرة في سياق الثقافة الإسلامية في هذا الموضوع.
3 راجع شرحاً أوسع لهذه الفكرة في مقدّمة تحقيقنا لكتاب “تفصيل النّشأتين وتحصيل السعادتين” للراغب الأصبهاني (ط دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1988م).
4 يمكن أن نذكر في هذا الخصوص ما ورد في المدوّنة العقدية الواسعة للقاضي عبد الجبّار المسمّاة بـ “المغني في أبواب التوحيد والعدل«، وذلك في أجزاء ومواطن متعدّدة، وخاصّة في الجزء 11/ 309 وما بعدها (ط الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1965م). ونذكر أيضا ما دوّنه الصّوفية في مبحث الإنسان الكامل، وما دوّنه الفلاسفة في مبحث النّفس.
5 شعوراً منّا بأهمّية هذا الأمر كانت لنا محاولة في إنشاء سلسلة من خمس حلقات بعنوان: “الإنسان في العقيدة الإسلامية، وقد نشرت منها حلقتان: (1) مبدأ الإنسان (2) قيمة الإنسان” (ط دار الزيتونة للنشر، الرباط 1996)، وفي الطريق إلى النشر إن شاء اللّٰه الحلقات الثلاث الباقية، وهي: (3) قَوام الإنسان (4) مهمّة الإنسان (5) مصير الإنسان. ونذكر في هذا الصّدد أنّ دراسات عدّة بدأت منذ زمن تظهر في الثقافة الإسلامية تندرج في هذا السياق، ممّا يدلّ على أنّ علماً جديداً هو علم الإنسان من منظور إسلامي في طور التشكّل، ونذكر من ذلك على سبيل المثال: الإنسان في القرآن للعقّاد، ومقال في الإنسان لعائشة عبد الرحمن، وآدم عليه السلام للبهي الخولي، والإنسان والقرآن لمرتضى مطهّري، والإنسان والكون لأبي الوفا الغنيمي التفتازاني، وحقيقة الإنسان بين القرآن وتصوّر العلوم لأبي اليزيد العجمي.
6 راجع تلك المواطن في: النورسي – كلّيات رسائل النّور، وهي في أربعة أجزاء: (1) الكلمات، (2) المكتوبات، (3) اللّمعات، (4) الشعاعات: الفهارس، مادّة: إنسان (ترجمة إحسان قاسم، نشر دار سوزلر للنشر، استانبول، 1992م).
7 راجع في هذا المنهج المقارن على سبيل المثال: الكلمات، النورسي، ص 640 وما بعدها.
8 الكلمات، النورسي، ص 641.
9 المصدر نفسه، ص 642.
10 المصدر نفسه، ص 639.
11 المصدر نفسه، ص 642.
12 المصدر نفسه، ص 642.
13 المصدر نفسه، ص 644.
14 الشعاعات، النورسي، ص، 18 وراجع أيضاً: المكتوبات، ص 426 - 473، واللّمعات، ص 153.
اللّمعات، النورسي، ص 258.
15 الكلمات، النورسي، ص 20.
16 المصدر نفسه، ص 136.
17 الشعاعات، النورسي، ص، 81 وراجع أيضاً فكرة الإنسان العالم الصّغير ودلالاتها على قيمة الإنسان في: اللمعات، ص، 19، 127، 473، 508 والشعاعات، ص 645 -، 702 والمكتوبات، ص 301.
18 الكلمات، النورسي، ص 136.
19 الشعاعات، النورسي، ص 368.
20 المصدر نفسه، ص 286.
21 اللمعات، النورسي، ص 598.
22 الشعاعات، النورسي، ص 278.
23 الشعاعات، النورسي، ص 379.



 

أرشيف ملف العدد

9 - المقاصد في رسائل النور
. أساسيات منهج الفكر المقاصدي عند النورسي
. المقاصد القرآنية في فكر النورسي
. مقاصد القرآن من خلال رسائل النور
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. منهج النورسى في شرح أسماء الله الحسنى
. نحو رؤية جديدة للدلالة النفسية لأسلوب التكرار في القرآن الكريم
. التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير
. قواعد في تفسير القرآن عند النورسي من خلال إشارات الإعجاز
7 - النورسي والتصوف
. النورسى ورؤيته للتصوف المعاصر
. نظرات في الأدب الصوفي عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي والتصوف
. أهمية روحانية النورسي المتبصرة في عالم مادي متأزم
6 - دعوة رسائل النور
. دعوة رسائل النور: هل هي حركة؟ أم جمعية؟ أو جماعة؟
. المنهج العوفي وإعلاء كلمة الله عند بديع الزمان
. التبليغ والارشاد في رسائل النور
. العمل الإيجابي القاعدة الثابتة لعمر مديد
. المرأة الإصلاحية في فكر الشيخ النورسي
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. من الأسس الفكرية والحضارية في رسائل النور
. البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي
. منهجيّة الاهتمام بعبادة التّعمير، سؤال استعادة الأمة وظيفة الشهادة عند الأستاذ النورسي
. الرؤية الحضارية من خلال رسالة الاقتصاد
. قراءة تحليلية في النظرة النورية إلى المسألة الغربية
4 - أسس التربية في رسائل النور
. تربية النفوس عند بديع الزمان النورسي
. المقاصد العملية للتربية السلوكية عند بديع الزمان النورسي
. منهج التربية عند النورسي
. من ملامح التربية السلوكية عند النورسي
. الحكمة وفصل الخطاب في منهج التربية عند النورسي
3 - أسس التربية في رسائل النور
. القرآن العظيم مصدراً للتربية السلوكية عند بديع الزمان النورسي
. التربية السلوكية عند النورسي
. الأبعاد التربوية لدرس العقيدة عند النورسي
. التجرد ونبذ الأنانية عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي ومشروعه الإصلاحي في التربية والتعليم
2 - التعليم في رسائل النور
. كتاب الكون قراءته وموقعه وتطوره في فكر بديع الزمان
. الخلفية البراديغمائية لأزمة البيئة والتوجه العلمي الكوني عند النورسي
. موقع نظرية العلم في عملية الاستخلاف والتحضر عند النورسي
. التعليم طريقا للتحضر، قراءة في رسائل النور
1 - المنهجية في رسائل النور
. منهج النورسي في إحصاء أسماء الله الحسنى
. عالم الغيب في المنظور النورسي
. منهج النورسي في التعامل مع الأسماء الإلهية الحسنى
. مقاصد الحياة وغاياتها في فكر سعيد النورسي من خلال رسائل النور
. المنهج الواقعي في دراسة قضايا الإيمان رسائل النُّورْسي أنموذجا

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80