منهج النورسي في التعامل مع الأسماء الإلهية الحسنى

منهج النورسي في التعامل مع الأسماء الإلهية الحسنى


أ.د. محمد خليل جيجك1


بِسْمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ


اللهم إنا لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك فلك الحمد والشكر حتى ترضاه وصل على سيدنا محمد كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.


خلاصة البحث


إن الإمام النورسي له منهجية خاصة في قراءة تجليات الأسماء الإلهية نابعة من ثقافته الموسوعية وعلمه الغزير وصفائه الروحي وتزكيته العملية وحرصه البالغ على إثبات الحقائق الإسلامية. فهو ينطلق من محاور أربعة عبر قراءته في التجليات: 1–الترغيب/التحبيب، 2– الترهيب/التنفير، 3–الحكمة، 4–التوصيل والربط.


إن الإمام النورسي حينما يسير في ظلال أسماء الله الحسنى من أمثال "الرحمن" و"الرحيم" و"الرزاق" و"المنعم" و"البر" وغيرها إنما ينطلق من محور الترغيب في رحمة الله حينا وتحبيب الألطاف الربانية إلى النفوس حينا آخر.


وحينما يمشي وحيدا في انعكاسات أسماء الله الحسنى من نحو "المتكبر" و"الجبار" و"القهار" فإنما يمشي على بساط الحذر من عظمة الخالق وكبريائه وجلاله وجبروته. ولكن حيث إن الأستاذ النورسي يعتني بالمحبة والجمال أكثر من غيرهما وحيث يحاول بجميع ما أوتي من جهد وقوة إظهار ما في الكون من آثار حسن صنع الله وجماله لا يتناول موضوع الترهيب إلا قليلا نادرا فلا ترى له اهتماما كبيرا واسعا بإظهار معاني القهر والسطوة المبثوثة في جميع أرجاء هذا الكون.


كما أن سيره الحثيث في أنوار أمثال أسمائه الحسنى "القدوس" و"الحكم"، و"العدل"، و"اللطيف"، والخبير" يأتي لقارئ رسائله بكثير من المعاني الحكيمة التي تهدي القلوب وتشرح الصدور.


أما التوصيل فهو ما يشاهد بدون كثير تكلّف وتجشم المجاهدة الجمة والمحاولة الكثيرة في إظهار ما تجمع من تجليات أكثر من واحد من الأسماء الإلهية في صعيد واحد، وقد تتجلى في الواحد أو أكثر، ومع ذلك تظهر في ترابط دقيق، مما يدلّ على ثباتها ورسوخها، فيزداد الذين آمنوا إيمانا.


الكلمات الأساسية:المفتاحية في البحث:


الأسماء الإلهية، النورسي، التجليات، القراءة، الكون، الاستدلال، الظلال، الآثار، الترغيب، الترهيب، الحكمة، التوصيل، المعارف، العلم، صفات، أفعال، الجمال، الرحمة.


تمهيد


إذا مر القارئ مرورا سريعا بالإمام النورسي عبر رسائله الموسومة برسائل النور رأى بدون تكلف ولا تجشم، صلة وثيقة له بالأسماء الإلهية الحسنى فله عشق مقدس معها وهي من المصادر الأساسية والمنبع الثر لمعظم تلك المعاني والمعارف والحكم التي تفيض من لسانه وجنانه وبيراعه. وترى أن أكثر معطائية النورسي علما، وحكمة، وعرفانا، حينما يتفاعل مع الأجواء المقدسة لتلك الأسماء العظيمة الربانية فبينما يسير النورسي في ظلال تلك الأسماء المقدسة يَفيض المعارف اللدنية والمواهب الرحمانية من جميع جوانبه. فمثلا تأمل في هذه الفقرة من اثنتي عشرة فقرة فاضت بها حكمة النورسي في قراءته الرائعة المثيرة لاسم الله "ذي الجلال" إذ يقول:


"ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله الكاملِ المُطْلَقِ في ذاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأفْعالِهِ المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ القُصُورِ والنُّقْصَانِ، بِشَهَادَاتِ كَمَالاتِ الكائِنَاتِ. إذْ مَجْمُوعُ مَا في الكائِنَاتِ مِن الكَمالِ وَالجَمَالِ ظِلٌّ ضَعيفٌ بِالنّسْبَةِ الى كَمَالهِ سُبْحَانَهُ، بالحَدْسِ الصَّادِقِ وَبِالبُرْهَانِ القَاطِعِ وبالدَّليل الوَاضِحِ. إذِ التَّنْويرُ لا يَكُونُ إلاّ مِنَ النُّورانِيِّ وبِدَوَامِ تَجَلّي الجَمَالِ وَالكَمَالِ مَعَ تَفَانِي المَرَايا وسَيَّاليَّةِ المَظَاهِرِ وبِاجْمَاعِ وَاتِّفَاقِ جَمَاعَةٍ كَثيرَةٍ مِنَ الأعَاظِمِ المُخْتَلِفِينَ في المَشَارِبِ والكَشْفِيَّاتِ المُتَّفِقِينَ عَلى ظِلّيَّةِ كَمَالاتِ الكَائِنَاتِ لأنْوَارِ كَمالِ الذَّاتِ الوَاجِبِ الوُجُودِ.


ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله الاَزَليِّ الأبَديِّ السَّرْمَديِّ المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ اللاّزِمَيْنِ للمُحْدَثَاتِ المُتَجَدّدات المُتكامِلاتِ.


ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله خَالِقِ الكَوْنِ وَالمَكَانِ المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ التَّحَيُّز وَالتَّجَزُّءِ اللاَّزِمَيْنِ للمَادّيَّاتِ وَالمُمْكِنَاتِ الكَثيِفَاتِ الكَثيِراتِ المُقَيَّدَاتِ المَحْدُودَاتِ.


ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله القَديِمِ الباقِي المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ الحُدُوثِ وَالزَّوَالِ.


ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله الوَاجِبِ الوُجُودِ المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ الوَلَدِ وَالوَالِدِ وَعَنِ الحُلُول والإتّحَادِ وَعَنِ الحَصْرِ وَالتَّحْدِيدِ وَعَمَّا لا يَليِقُ بِجَنَابِهِ وَمَا لايُنَاسِبُ وُجوُبَ وُجُودِهِ وَعَمَّا لا يُوَافِقُ اَزَلِيَّتَهُ وَاَبَدِيَّتَهُ جَلَّ جَلالُهُ وَلآ إلهَ إلاّ هُوَ.2


تراه كيف يتجوّل يمنة ويسرة وكيف ينتقل نزولا وصعودا فيتحرك إلى جهاته الست بجوالية فائقة وسرعة فكرية رائعة فيجمع استلهاما من تجليات ومعاني اسم "ذي الجلال" الكريم جوامع الأدلة النيرة والبراهين الناصعة التي تفحم أشد الكافرين عنادا وتلزم أعتى الجاحدين خصومة ويذكر مجامع الأوصاف المقدسة اللازمة للربوبية ومختلف أنواع التَّقَدُّس والتَّنَزُّه الرباني ويُؤَكِّد على حقيقة التوحيد بما تملأ المجلدات الصفحة.


ومن خلال هذه السياحة الروحية والفكرية للنورسي بين مختلف أنواع الكائنات التي هي مصنوعات القدرة الربانية ومرايا أسماءه الحكيمة تراه يختار من بينها أكثرها جمعا للأدلة وأبينها دلالة على القدرة الربانية كالإنسانية والجسمانية. فيرى أن ما يُطلق عليه: "الإنسانية" التي هي قصيدة حكيمةٌ منظومةٌ تعلن إعلانا لطيفاً جميع تجليات الأسماء الإلهية القدسية، وهي معجزةُ قدرةٍ باهرة جامعةٍ كالنواة لأجهزة شجرةٍ دائمةٍ باقية.3 كما يرى أن الجسمانية كذلك هي أجمع مرآة لتجليات الأسماء الإلهية، وأكثرها إحاطة وأغناها.4 ولا يلبث النورسي أن يرى أن جميع الكون مرآة لتجليات أسمائه تعالى: فكما أن للشمس وجودات هكذا في المثال كذلك الأمر في مرآة الكون ومرايا ماهية الاشياء. فان نقوش المصنوعات ظاهرة بتجليات الأسماء الإلهية الحسنى.5


ولا ريب أن من أهم خصائص النورسي في سيره في ظلال الأسماء الإلهية وقراءته للكون قراءة عرفانية حسبما يتجلى له من ظلال تلك الأسماء على شتى صفحات الكون:


لا يغيب عن وعيه وصحوه عبر ذلك المسير العظيم كما هو شأن بعض الصوفية. ولا يغيب أبدا عبر تجواله العرفاني بقلبه وروحه في ظلال الأسماء وتجلياتها العظيمة عن وعيه وشعوره وإحساسه بما حوله من الكوائن والأحداث ولا يفقد تمييزه مدى ذلك التجوال فلا يقع فيما وقع فيه بعض الصوفية من الشطط والشطح.


يقدم لقارئ رسائله ما استفاد في ظلال الأسماء الإلهية من تلك الدروس القيمة الروحية العظيمة بصفاء عجيب ونقاء حبيب لا يدانى منه.


3– يتنوع معارفه العرفانية ومعطياته العلمية حسب تنوع تلك الأسماء الإلهية مضمونا، ومشمولا، ومظهرية، وتجليا. وحينما يفصح عن تلك التجليات التي تنعكس من الأسماء الربانية تراه نسيجا وحده وفارس ميدانه ووحيد مجاله. ومن إلقاء أية نظرة سريعة على كتابات النورسي المستلهمة من الأسماء الإلهية يظهر أن له مقدرة خاصة وقابلية فذة في قراءة مظاهر تلك الأسماء قراءة تكون نبراسا للمهتدين والعارفين وسراجا للحكماء والصالحين كي يزداد الذين آمنوا إيمانا.


إن مما يستجلب نظر قارئ كتابات النورسي أن له رحمه الله ولوعا خاصا بتبيان مظاهر الجمال الإلهي في جميع صفحات الكون فله قراآت متعددة الجوانب في مظاهر "الجمال" المبثوثة عبر صحائف الكون وصفحاته كلها. فبعضا يقرأ مظاهرها في هذا العالم المشهود وبعضا يقرأ ما سيتحقق في الجنة وبعضا يذكر ويتذكر ما له سبحانه من الجمال الحقيقي. فانظر مثلا إلى هذا البيان السلس له في قراءة مظهر الجمال في الكون والجنة حيث يرى أن الكل من تجليات جماله تعالى واسمع له أيضا حتى ترى كيف يشرح الجمال السرمدي له سبحانه:


"إن جميع أنواع الجمال الموجود في هذا الكون وجميع أنواعه وأنماطه وألوانه إنما هو تجليات وإشارات وأمارات جمال مقدس عن القصور ومجرد عن المادة تتجلى من وراء عالم الغيب بوساطة أسماء الله الحسنى...


نعم إن كانت الجنة الباهرة الرائعة مع جميع مظاهر حسنها وروعتها من تجليات جماله سبحانه وأن رؤية أهل الجنة جماله تعالى لساعة من زمان ينسيهم حتى تلك الجنة الجميلة فلا شك أن هذا الجمال السرمدي لا نهاية له ولا شبيه له ولا نظير له ولا مثيل له قطعا."6 كما نراه يفصح في قراءة أخرى له عن سبب ظهور الجمال الإلهي بقوله: إن الجمال الإلهي والكمال الرباني يظهران في التوحيد وفي الوحدانية، ولولا التوحيد لظل ذلك الكنز الأزلي مخفياً. نعم، إن الجمال الإلهي وكماله الذي لا يحد، والحسن الرباني ومحاسنه التي لانهاية لها، والبهاء الرحماني وآلاءه التي لا تعد ولا تحصى، والكمال الصمداني وجماله الذي لا منتهى له، لا يشاهد إلاّ في مرآة التوحيد؛ بوساطة التوحيد ونور تجليات الأسماء الإلهية المتمركزة في ملامح الجزئيات الموجودة في أقصى نهايات شجرة الكائنات.7


4–إن إفصاح النورسي عن تلك التجليات المنعكسة عن الأسماء الإلهية إفصاح من نوع آخر فلا تشبه قراءته لظلال تلك الأسماء قراءة غيره من الحكماء والعارفين إذ قراءته قراءة صافية نقية لا تشوبها شائبة الفلسفة والحكمة المزخرفة ولا تتكدر تلك القراءة بالتعقيدات الفلسفية المنكدرة والتحليلات الغامضة والنقاشات النظرية المعضلة والخلافات الفكرية المشكلة بل تراه يحاول نهاية جهده أن يقدم لقارئه تلك المعاني والمعارف الفائضة من فكره وقلبه على لسانه وبنانه بطريقة سليمة من عيوب التكلف والتصنع، وخالصة من أدران السمعة والرياء، ونقية من شوائب الشطط والشطحات الصوفية، ومشبعة بمعاني الإخلاص، والشكر، والحب المطلق لله، والشهود الكامل التام المطلق لأفعال الله وتجليات أسمائه عبر تصاريفه وتدابيره. وهذه سمة عظيمة جعلت للرسائل ما لها من الحب العميق والقبول التام والجاذبية العجيبة والإقبال الكامل.


جعل النورسي ذلك الصفاء في البيان والعرض المبسط ديدنا له ودأبا في تأليفه أو عرض كشفياته القرآنية وطريقة له ومنهاجا في سلوكه الدعوي ربما لا ينفصل عنه قيد أنملة، وله جولات سريعة ذكية في استنباط كثير من المعاني العميقة والمعارف الحكيمة من ظلال تلك الأسماء الإلهية.


إلى جانب أننا نشاهد تنقلا مستمرا دءوبا للنورسي بين بساتين ورياض تجليات تلك الأسماء الإلهية عبر كتاباته. فهو يوصل ويربط بين معاني الأسماء الإلهية الكثيرة. ويستنبط مناسبات جمة ومعاني كلية وأصولا أصيلة وفروعا جزيلة مما يشاهده من تجليات الأسماء الإلهية على شتى صفحات الكون إذ يرى أن الحياة مثلا: مرآة لتجلي الأحدية، وجلوة الصمدية، أي أن حياتك كالمرآة تنعكس عليها تجلي الذات الأحد الصمد تجلياً جامعاً، وكأن حياتك نقطةٌ مركزيةٌ لجمع أنواع تجليات الأسماء الإلهية المتجلية على العالم أجمع.8


فلعمري هو عندليب التوحيد ينتقل من هذه الوردة إلى تلك الوردة كي يأخذ من كل شجرة جناها ويستفيد من كل ثمرة خلاصتها. فهيا بنا الآن ننتقل إلى المقصد الأصلي من هذا البحث وهو بيان تلك المحاور التي يسير فيها النورسي حينما يقرأ تجليات الأسماء الإلهية.


يعرض النورسي مظاهر الأسماء الإلهية وتجلياتها في أربعة محاور، كما يأتي:


المحور الأول الترغيب والتحبيب


حينما يسير النورسي في ظلال أسماء الله الحسنى، من أمثال "الرحمن" و"الرحيم" و"الرزاق" و"المنعم" و"العدل" و"القدوس" وغيرها من الأسماء الإلهية إنما ينطلق من محور الترغيب في رحمة الله حينا وتحبيب الألطاف الربانية إلى النفوس حينا آخر. كما يهدف من خلال كتاباته من حين لآخر بيان ذلك الجمال المطلق والحسن الدائب الذي يتحلى به الإسلام من خلال عقائده وأخلاقه وأحكامه وحكمه وبذلك يرغب الناس إلى أكبر حد في الإسلام والاستفادة من محاسنه العليا وحقائقه العظمى عبر مسير الحياة.


يتكون معاني هذا المحور في: 1– بيان الجمال المطلق في الكون، 2– بيان إحسانات الصانع الحكيم التي توجب محبته وإطاعة أمره على جميع العقلاء، 3– تحبيب الإيمان إلى القلوب.


1– بيان الجمال المطلق: إن النورسي حينما يذكر حِكَمَه العرفانية يسعى للإبانة بكل ما أوتي من جد وجهد عما يغمر هذا الكون الفسيح والعالم الوسيع من معاني الحسن والجمال اللذين هما من تجليات جمال الله المطلق ترغيبا في إنالة حظ إدراك طرف من ذلك الجمال. إذ يفصح عن ذلك في هذا البيان المفصل بقوله: إن جمال أثر مصنوع يدل دلالة قاطعة على جمال صنعه وإن جمال الصنع وإتقانه هذا يدل على جمال عنوان صانعه الناشئ من تلك الصنعة. وإن جمال عنوان الصانع المتقن يدل على جمال صفة ذلك الصانع التي تعود إلى تلك الصنعة وإن جمال صفته هذه يدل على جمال قابليته واستعداده وإن جمال قابليته يدل على جمال ذاته وجمال حقيقته. فكما أن هذه الدلالات قاطعة وبدهية كذلك الحسن والجمال الظاهر في المخلوقات الجميلة في هذا العالم كله والصنع البديع المشاهد في المصنوعات الجميلة كلها يشهد شهادة قاطعة على حسن أفعال الصانع الجليل وجمالها وإن الحسن في أفعاله تعالى وجمالها يدل بلا ريب على حسن العناوين المشرفة على تلك الأفعال وجمالها أي على حسن الأسماء وجمالها. وإن حسن الأسماء وجمالها يشهد شهادة قاطعة على حسن الصفات المقدسة وجمالها التي هي منشأ تلك الأسماء. وإن حسن الصفات وجمالها يشهد شهادة قاطعة على حسن الشؤون الذاتية وجمالها التي هي مبدأ تلك تلك الصفات. وإن حسن الشؤون الذاتية وجمالها يدل بالبداهة ويشهد شهادة قاطعة على حسن الذات وجماله الذي هو الفاعل والمسمى والموصوف ويدل على الكمال المقدس لماهيته والجمال المنزه لحقيقته. بمعنى أن للصانع الجميل جمالا وحسنا لا حد له يليق بذاته المقدسة. بحيث أن ظلا من ظلاله قد جمل هذه الموجودات كلها وأن له سبحانه جمالا منزها مقدسا بحيث إن جلوة من جلواته قد أضفت الجمال على الكون كله ونورت دائرة الممكنات كلها بلمعات حسن وجمال زينتها أبهى زينة.9


فكما يبدو في هذا المقطع أن النورسي قرأ جمال الكون قراءة فذة لا مثيل لها حيث بيّن أنّ هناك ست مراتب من الجمال كل واحدة من تلك الجمالات يدل على الذي بعده. فإن الجمال في أي صنعة ما سواء كان من حيثية خصوصية الصنعة فقط – وهي الملحوظة في السلسلة الأولى– أو كان بصفة عامة مثل المخلوقية –وهي الملحوظة في السلسلة الثانية– يدل بتسلسل على جمال بعده إلى أن ينتهي بسلسلتين متوازيتين مراتب الجمال التي يكون كل مرتبة منها مدلولا لما قبلها ودالة على مابعدها إلى جمال ذات الصانع وجمال حقيقته المقدسة التي تأتي في المرتبة السادسة. ويصل النورسي في نهاية المطاف إلى أن كل ما يرى في الكون من أنواع الجمال وفنونه وصنوفه إن هو إلا أثر من آثار ذلك الجمال المقدس الذي لا نهاية له وظل من ظلاله العظيمة.


إنه رحمه الله يسير في جميع أنحاء الكون ويُحَلِّقُ على جميع الكائنات المشهودة ثم يتغلغل في خباياها كي يلتقط ما فيها من المعاني الجمالية التي كل واحد منها أثر لاسم من أسماء الله الحسنى ويرتسم ما لها من تلك الصور البديعة الرائعة التي كل واحدة منها ظل لاسم من أسماء الله العليا ويستنبط من شتى جوانبها ما فيها من أطراف الحسن وأنواع الجمال والروعة التي هى من تجليات أسماء الله العظمى ويقرأ الجمال قراءة متمهلة مرتبة بتسلسل حكيم وتدرج رائع بين شتى مظاهر الجمال ومشاهده ومراتبه مبتدأ بأولى مظاهره ومراتبه ومنتهيا إلى أعلى مراتبه وهو الجمال الحقيقي الذي يتصف به الجميل المطلق.


ونراه حينا آخر يستشهد في إثبات ذلك الجمال المتغلغل في أغوار الكون والمحيط بجميع جوانبه بالعلوم الكونية المتطورة فيستنطقها إذ يقول: الخير والحسن والجمال والإتقان والكمال هو السائد المطلق في نظام الكون وهو المقصود لذاته، أي هو المقاصد الحقيقية للصانع الجليل. بدليل أن كل علمٍ من العلوم المتعلّقة بالكون يطلعنا بقواعده الكلية على إن في كل نوع وفي كل طائفة انتظاماً وإبداعا بحيث لا يمكن للعقل أن يتصور أبدع وأكمل منه.10 يفعل النورسي كل ذلك وكأنه خبير جمال الكون ومستوعب لهندسة حسنه.


ولما ترسخ في عقلية النورسي من قراءة جمال المصنوع كي يصل بها إلى تذوق جمال الصانع – وقد حصل له ذلك فعلا– يخطو إلى الأمام في التقاط معاني الحسن من جميع ما في الكون من كافة التصرفات الإلهية خطوة طريفة حيث يستدل على الشيء بضده إذ يرى أن ما في الكون من أنواع الشر إنما هو أيضا لإبراز طرف آخر من معاني الحسن والجمال قائلا: وأمثال هذه الشرور والقبائح الجزئية خُلقت في الكون لتكون وسيلة لإظهار أنواع الخير والجمال الكليين. وهكذا يثبت بالاستقراء التام أن المقصد الحقيقي في الكون والغاية الأساسية في الخلق إنما هو: الخير والحسن والكمال.11


فنرى أن النورسي ارتقى من خلال هذه القراءة الجمالية السامية إلى درجة مستبينة من الشهود. حيث يشهد علم اليقين ويشاهد عين اليقين تلك الآيات الجمالية الموصلة إلى جمال الله الأقدس المبثوثة في جميع أرجاء الكون والتي يغفل عنها كثير من الأذكياء والعلماء والعارفين.


ثم إن النورسي كان على وعي تام وبصيرة متمكنة بأن شواهد تلك المحاسن الكونية المتلمعة من جميع جوانبه، وآيات ذلك الجمال الرائع المبثوث على جميع صفحاته إنما يمكن أن يرى ويقرأ بعقلية التوحيد وعقيدته الصافية. أما الملحد الجاحد والجاهل الغافل فهما بمعزل عن ذلك. فأنى له التناوش من مكان بعيد. يعلن هذه الحقيقة على رؤوس الأشهاد في تصريحه: "أن الجمال الإلهي وكماله الذي لايحد، والحسن الرباني ومحاسنه التي لانهاية لها، والبهاء الرحماني وآلاءه التي لاتعد ولاتحصى، والكمال الصمداني وجماله الذي لامنتهى له، لايشاهد الاّ في مرآة التوحيد؛ بوساطة التوحيد ونور تجليات الاسماء الإلهية المتمركزة في ملامح الجزئيات الموجودة في أقصى نهايات شجرة الكائنات."12


وكنتائج عملية واقعية عن هذه القراءة الجمالية في ظلال الأسماء الإلهية للنورسي يبدو هذه الأمور:


1– بيان الحسن المطلق في الكون: فحينما يعرض النورسي الإبانة عن تلك المعاني الجمالية مستلهما إياها من تجليات الأسماء الإلهية الحسنى لا يهمل لفت نظر القارئ إلى ما أحاط بجميع الشؤون الذاتية، والصفات الربانية، والأفعال الإلهية، والتصرفات السبحانية من حسن مطلق، وجمال مطلق، وكمال مطلق، ولطافة شيقة، وجاذبية أنيقة. فيستدل بذلك على الجمال المطلق المقدس، والحسن المطلق المنزه للخالق عز شأنه فيقول: "إن الصانع الجليل متصف بجميع الأوصاف الكمالية لأنه من المقرر أن ما في المصنوع من فيض الكمال، مقتبس من ظل تجلي كمال صانعه. فبالضرورة يوجد في الصانع جل جلاله من الجمال، والكمال، والحسن ما هو أعلى بدرجات غير متناهية حتماً من عموم ما في الكائنات من الحسن، والكمال، والجلال."13 وكفى ذلك شاهدا على ما تربع عليه النورسي من عرش الشهود في قراءة ما في الكون من مشاهد جمال الصانع مما يرى من آثار قدرته الجميلة التي تدل على جماله العظيم وكماله العلي.


2– الصلة القوية مع الأسماء الإلهية العظيمة: وهنا حقيقة أخرى جلية لكل من أجال النظر في مؤلفات النورسي وهي أنّ له رحمه الله صلة حميمة وآصرة قوية مع أسماء الله الحسنى كما أسلفنا الإيماء إلى ذلك وسيأتي أيضا. فتستيقن بذلك أن معظم حكمه العرفانية تنبع من تفكيره في أسماء الله الحسنى وقراءته الملحة لتجلياتها وسيره الحثيث في ظلالها وتفاعله الروحي معها.


3– الفوائد العملية: يجني رحمه الله من ذلك –فضلا عمّا حصل عليه من الذوق الروحاني – فوائد علمية جمة وثمرات عرفانية عظيمة كما يكسب من ذلك نتائج واقعية عملية ظاهرة أيضا من أجلّها أنه يحاول جهده أن يحبّب بتلك القراءة الله إلى القلوب من خلال تجليات أسمائه الجمالية ومحاسن أفعاله الكمالية وحسن شؤونه الذاتية. ومن ثمَّ يستهدف تحبيب حقيقة الإيمان أيضا.


4– طرد القلق: كما يزيح بتلك القراءة التجلياتية ما ينتاب القلوب الهلوعة من القلق والفزع من جراء خوف فناء الدنيا ونعيمها وموت المحبوبات بأسرها فيها. فأصغ إليه بأذن واعية إذ يقول:


"وهو الصانع الفاطر فلا حزن على زوال المصنوع لبقاء مدار المحبة في صانعه. وهو الملك المالك الباقي فلا تأسف على زوال الملك المتجدد في زوال وذهاب. وهو الشاهدُ العالمُ الباقي فلا تحسّر على غيبوبة المحبوبات من الدنيا لبقائها في دائرة علم شاهدها وفي نظره. وهو الصاحب الفاطرُ الباقي فلا كدر على زوال المستحسنات لدوام منشأ محاسنها في اسماء فاطرها. وهو الوارثُ الباعثُ الباقي فلا تلهّف على فراق الاحباب لبقاء من يرثهم ويبعثهم. وهو الجميلُ الجليلُ الباقي فلا تحزّنَ على زوال الجميلات اللاتي هنَّ مرايا للاسماء الجميلات لبقاء الاسماء بجمالها بعد زوال المرايا. وهو المعبودُ المحبوبُ الباقي فلا تألّم من زوال المحبوبات المجازية لبقاء المحبوب الحقيقي. وهو الرحمنُ الرحيمُ الودودُ الرؤوفُ الباقي فلا غمّ ولامأيوسيةَ ولا اهميةَ من زوال المنعِمين المشفقين الظاهرين لبقاء مَن وسعتْ رحمتُه وشفقتهُ كلّ شئ. وهو الجميلُ اللطيفُ العطوفُ الباقي فلا حُرقة ولاعبرةَ بزوال اللطيفات المشفقات لبقاء مَن يقوم مقام كلها، ولايقوم الكلُّ مقام تجلٍ واحدٍ من تجلياته، فبقاؤه بهذه الاوصاف يقوم مقام كل ما فني وزال من انواع محبوبات كل احدٍ من الدنيا."14


فنرى في هذا العرض الرائع قراءة متنوعة الجوانب لشتى تجليات الأسماء الإلهية الحسنى في شتى المجالات ويرتكز على الخصوص على فناء الكائنات وبقاء المحبوب الأزلي بهدف تحبيب الإيمان من خلال التحقق بحقيقتي الفناء والبقاء إلى القلوب وتلقيح بذور الإيمان في العقول.


وحينما يقرأ النورسي من خلال تجليات الأسماء الإلهية الدالة على الجمال والكمال تلك المشاهد التي يسود عليها الجمال والكمال تراه يتقلب في جنان تجليات أسماء الجمال، والحسن، والكمال كي يستفيد من جناها. ويستهدف في الوقت نفسه شيئا آخر لا يقل أهمية عن ذي قبل وهو استجلاب أنظار العقول السليمة إلى ما غمر الكون كله من تجليات الرحمة الإلهية التي قلما تنبه لها الناس الغافلون. فَيُكْثِرُ الأستاذ النورسي من الاستدلال بما يظهر في جميع صفحات الكون من الفعاليات الجارية والأحداث المتكونة فيه لكل ذي بصر وبصيرة من معاني الرحمة الإلهية، والشفقة الربانية، والإكرام الصمداني، والإنعام السبحاني، ومن شواهد الكمال والجمال التي هي من تجليات تلك الأسماء الإلهية التي تدل بالدرجة الأولى على معاني الرحمة الربانية، والفيض الإلهي، والإحسان الرباني. تراه في ذلك السياق يفصح عن معاني رائعة تندهش منها النفس وتثلج الصدر بالحقائق العرفانية الكبرى، والدلائل العقلية العليا.


ويمكن أن يُقَسَّم ما أتى به الأستاذ النورسي في قراءته لأسماء الله الدالة على الرحمة من مثل الرحمن والرحيم وغيرهما، ومن خلال سيره في ظلال تجلياتها، ترغيبا في رحمة الله وتحبيبا لحقائق الإيمان إلى القلوب، فضلا عن الإبانة عما أضمره الكون في طياته من جلائل الآلاء ودقائق النعم الدالة على الرحمة والشفقة الإلهية البارزة في مظاهر متعددة، وبإيجاز يمكن تقسيمها إلى ما يأتي:


1– الإبانة عن مظاهر الرحمة في البيئة والطبيعة.


2– الكشف عما يحيط النفس الإنساني من تجليات اللطف الإلهي والشفقة الربانية.


3– التبيين لما أخبر به القرآن من نعيم الجنان مستدلا على حتمية تلك النعم بتجليات صفات الرحمة والإحسان والإنعام في شتى صفحات الأكوان في هذه الدار قبل تلك.


سنعرض في الفقرة اللاحقة تفصيل هذه القضايا بما اقتبسناه من كتاباته:


1– الإبانة عن ما يتجلى في البيئة والطبيعة من مظاهر الرحمة الإلهية المحيطة بجميع ما فيها: إن في ذلك السياق للنورسي لمسات لطيفة، واستنتاجات طريفة، والتقاطات حكيمة لشتى معاني الرحمة والشفقة من متنوع المناظر الطبيعية، وشتى المشاهد البيئية ومختلف المجالات الكونية. فيبين أولا حقيقة الرحمة السائدة على عامة مناظر الكون ومشاهده مستلهما ذلك مما تغلغل في طيات الكون وخباياه من تجليات صفتي الرحمن والرحيم فيقول في هذا السياق: "أن الكون كتاب الأحد الصمد كتبه لإشهار مصنوعاته:" الكون" الذي يراه الغافلون فضاء موحشاً بلا نهاية، وجمادات مضطربة بلا روح تتدحرج في دوامة الفراق والآلام، يبينه القرآن: كتاباً بليغاً، كتبه الأحد الصمد، ومدينة منسقة عمرها الرحمن الرحيم، ومعرضاً بديعاً أقامه الرب الكريم لإشهار مصنوعاته. فيبعث بهذا البيان حياة في تلك الجمادات، ويجعل بعضها يسعى لإمداد الآخر، وكل جزء يغيث الآخر ويعينه، كأنه يحاوره محاورة ودية صميمة، فكل شيء مسخر وكل شيء أنيط به وظيفة وواجب."15 ويعلن في سياق آخر ما ساد الكون كله من معاني الرحمة التي هي من تجليات الرحمن الرحيم إذ يقول: "قسم آخر من هذه البلابل نهاري، يعلنون في وضح النهار رحمة الرحمن الرحيم على منابر الأشجار وعلى رؤوس الأشهاد، ويتغنون بها."16 ويستمرّ النورسي في بيان سيادة حقيقة الرحمة على الكون كله مستدلا في ذلك بتكرار صفتي الرحمة عبر الفرقان الحكيم بقوله: "إنّ جملة بِسْمِ الله الَّرحْمٰنِ الَّرحيمِ هي آية واحدة تتكرر مائة وأربع عشرة مرة في القرآن الكريم ذلك لأنها حقيقة كبرى تملأ الكون نوراً وضياء وتشد الفرش بالعرش برباط وثيق – كما بيناها في اللمعة الرابعة عشرة – فما من أحد إلاّ وهو بحاجة ماسة إلى هذه الحقيقة في كل حين."17


نرى في هذا السياق أن العلامة النورسي يشد نظر القارئ والمؤمن الموحد إلى بعض مظاهر الرحمة الخاصة مما يجري في الكون من تلك الأحداث الرحيمة التي لا تعد ولا تحصى كالمطر فبعد ما أفاض في بيان تلك الحكم العظيمة الظاهرة في كثير من أحداث الكون يأخذ في بيان ما للمطر ويضع النقاط على الحروف: "فهذا الغيث اذًا ما هو إلاّ رحمة متجسمة بعينها، ولا يتم صنعه إلاّ في خزينة الغيب لرحمة الرحمن الرحيم"، وهو بنزوله وانصبابه على الأرض يفسّر عملياً وبوضوح الآية الكريمة":18 ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾.الشورى:28


2– إبانة ما في خلق الإنسان وجسده من تلك المظاهر الجمة للرحمة الإلهية. ولما كان الإنسان يتبوأ تلك المكانة العليا بما يمتلكه من العقل والإدراك والبصيرة فكان مطلبا أصليا ومقصدا أساسيا بين خلق الكائنات الأخرى. ومن هنا صار خليفة الله في أرضه ومخاطبا له بين خليقته وكان معكسا مجلوا ومرآة صقيلة لكثير من الأسماء الإلهية استحق من بين الكائنات الأخرى أن يخص بالذكر ويستجلب النظر إلى ما في خلقه ويسلط الضوء على ما في كيانه المادي والروحي والنفسي والعقلي من أسرار عظيمة وإجراآت عجيبة ينعكس منها كثير من تجليات الأسماء الإلهية وتصرفات حكيمة كل منها مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية والإكرام الرباني. ومن هنا ركّز النورسي نظره على خلق الإنسان وقابلياته واستعداداته وخواصه ومميزاته. ولعمري لقد أدرج في البنية الإنسانية وأدمج فيها حسب قراءة النورسي لها من الأعضاء العزيزة، والآلات اللطيفة، والأجهزة الغزيرة، والمواد الكثيرة بحيث استحق أن يسمى عالما صغيرا على حد تعبير النورسي، يؤكّد هذه الحقيقة، بقوله: "نظرت إلى نفسي وتأملت فيها ورأيت أن الذي خلق الحيوانات من قطرة ماء خلقني منها أيضا. وبرأني معجزة من معجزاته، وشق سمعي وبصري، ووضع دماغا في رأسي، وقلبا في صدري، ولسانا في فمي بحيث خلق في ذلك الدماغ والقلب واللسان مئاتٍ من الموازين الدقيقة والمقاييس الرقيقة التي تتمكن من أن تزن وتعرف جميع هدايا الرحمن المدّخرة في خزائن الرحمة الإلهية وعطاياه الكريمة، وأدرج في تلك الأعضاء ألوفا من الآلات التي تتمكن من أن تفتح كنوز تجليات الأسماء الإلهية التي لا نهاية لها، وأمدّ تلك الآلات والأجهزة معرّفات مُعينة مساعدة بعدد الروائح والطعوم والألوان."19 يحاول النورسي من خلال هذه القراءة الدقيقة الرائعة في جسد الإنسان الناشئة من إدراك تجليات الأسماء الإلهية فيها تسليط الضوء على ما يزخر به البنية الإنسانية من الفوائد الكبرى والمصالح العظمى والمنافع القصوى التي هي أبرز مظاهر اللطف الرباني والرحمة الإلهية.


3– الإفصاح عما أخبر به القرآن من نعيم الجنان مستدلا على حتمية تلك النعم بتجليات صفات الرحمة، والإحسان، والإنعام في شتى صفحات الأكوان. إن المتتبع لمعارف النورسي عبر رسائله ولقراآته في تجليات ومظاهر الأسماء الإلهية العظيمة يقف بدون كبير عناء وتكلف أن له رحمه الله مظهرية خاصة لما في الحديث القدسي النبوي: "سبقت رحمتى غضبي..."20 من مغالبة جانب الرحمة واللطف جانب الغضب والعنف. ومن هذا حينما يسير الشيخ في ظلال الأسماء الإلهية كي يعلن عن مظاهرها ويبين تجلياتها يؤثر بالقراءة والمناولة ويختار بالشرح والبيان تلك الأسماء التي تدل على الرحمة واللطف والإكرام والإحسان أكثر كاسم الرحمن، والرحيم، والبر، والعدل، والجواد، والكريم، والقيوم، والمحسن، والحكيم. وبذلك يحصل النورسي على نتيجة حاسمة وهو تحبيب الخالق بما خلق من جميع تلك المصالح، والمنافع، والفوائد إلى القلوب والعقول. وفي أثناء ذلك العرض يتعرض النورسي لشيء آخر وهو النص على موجبات ومستلزمات ذلك التحبيب المقدس فانظر مثلا إلى هذا السياق:


"وان محبوباً أزلياً اعدّ – باسمه الرحمن الرحيم – مسكناً جامعاً لجميع رغباتك المادية، وهو الجنّة المزينة بالحور العين، وهيأ بسائر أسمائه الحسنى آلاءه العميمة لإشباع رغبات روحك، وقلبك، وسرّك، وعقلك، وبقية لطائفك. بل له سبحانه في كل اسم من أسمائه الحسنى خزائن معنوية لا تنفد من الإحسان والإكرام. فلاشك أنّ ذرة من محبة ذلك المحبوب الأزلي تكفي بديلاً عن الكائنات كلها ولا يمكن ان تكون الكائنات برمتها بديلاً عن تجلٍ جزئي من تجليات محبته سبحانه.21 فإتاحة جميع مستلزمات الحب الرباني المادية والمعنوية في الدنيا والآخرة وفي ما يحيط بالإنسان من عامة مظاهر اللطف الإلهي والإكرام الرحماني توجب على الإنسان أن يحاول بجميع ما في وسعه وجهده لاكتساب شيء – ولو قليلا – من تلك المحبة الإلهية المقدسة. وذلك الحب الذي ينبغي أن يحب العبد به ربه إنما يتحقق بالإيمان بجميع ما دعى الله إلى الإيمان به، وبإطاعته في جميع مأموراته والانتهاء عن منهياته وهو العبودية الصافية الخالصة التي يؤكد النورسي عليها بإيقاع شديد في الكثير من رسائله.


وهكذا نجد للنورسي رحمه الله ولعا خاصا وشغفا بالغا بالإبانة عما يوجب على العبد حب ذلك المحبوب الأزلي عبر قراآته العديدة المتنوعة لتجليات أسمائه العظيمة. ومن جراء ذلك يرتكز عبر كثير من كتاباته على الكشف عن تلك الألطاف العظيمة، والإحسانات العميمة، والإكرامات الجليلة في نفس الإنسان وبيئته وسائر الكائنات المسخرة له والمحيطة به حتى يحب العبد ربه كمال الحب.


ونَتِيجَةُ ذلك البيان المكثف عَبْر هذا المحور هو تحبيب الإيمان والإسلام وأصوله وأخلاقياته ومعاملاته وعباداته إلى القلوب وتقريبها إلى الأفهام والعقول من خلال شرح تجليات تلك الأسماء الإلهية الدالة على الرحمة واللطف والإحسان.


المحور الثاني الترهيب


يُبَيِّن الأستاذ النورسي في أكثر من موضع من كتاباته أنه ممثل المحبة فلا موضع للخصومة في قاموسه وانعكاسا لهذه الحقيقة، يغلب في معجمه توظيف صور واضحة للغة الحب والمحبّة والجمال، والرحمة والبر والترغيب والتحبيب وهو الصبغ الذي ينصبغ به أسلوبه عبر رسائله واللون الذي يسود معظم كتاباته وجل مقولاته. وهو الخصيصة التي يتميز بها عبر دعوته؛ لذا لقيت هذه الدعوة ترحيبا عجيبا من عامة الشعوب وتلبية كريمة من الإنسان المعاصر وإقبالا مدهشا من شباب العصر. وأما جانب الترهيب فإنما يلم به إلماما ولا يستفيض فيه ولا يطنب الكلام حوله ولا يسهب فيه ولا يأتي بأفانين البيان وأنواع الخطاب منه.و أكثر ما تراه يتناول الترهيب هو حينما يسير في ظلال أسماء الله الدالة على قهره، وكبريائه، وجبروته، وسطوته كالمنتقم، والمتكبر، والجبار، والقهار.


انطلاقا مما تطبع به طبيعة النورسي وترسَّخ في عقليته من حب الحب، والجمال، والكمال وتحبيب الصانع إلى المصنوع من نافذة الحب والجمال لا يصرف وقته في الإعراب عن معاني القهر الإلهي وبطشه وسطوته، ولا يرتكز على سرد معاني الترهيب كمسألة رئيسة. بل إنما يمس النورسي مسا لطيفا طرفا ضئيلا من الترهيب كمسألة استطرادية غير أصلية حينما يسرد أدلة التوحيد فيتعرض من خلالها لنفي الشرك ملوحا إلى شيء من الترهيب كما في قوله: "فما دامت هذه الكبرياء وهذه القدرة العظيمة موجودتين، وما دامت صفة الكبرياء هذه هي في منتهى الكمال والإحاطة التامة، فلا يمكن أن تسمحا مطلقاً لأي نوع من أنواع الشرك؛ لأن الشرك يعني إسناد العجز والحاجة إلى تلك القدرة المطلقة، وإلصاق القصور بتلك الكبرياء، وعزو النقص بذلك الكمال، وتحديد تلك الإحاطة بالقيد، وإنهاء غير المتناهي المطلق. فلا يمكن أنْ يقبل ذلك كل من له عقل وشعور، وكل من له فطرة سليمة لم تتفسخ."


"وهكذا فالشرك من حيث هو تحدٍ لتلك الكبرياء، وتطاول على عزة ذي الجلال، ومشاركة للعظمة، جريمة نكراء لا تدع مجالاً للعفو والصفح والمغفرة. وان القرآن – ذا البيان المعجز – يعبّر عن هذا ويبيّنه ويشفعه بذلك التهديد الصارخ والوعيد الرهيب22 بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾(النساء: 48)."


كما يتناول الترهيب بكلمات قلائل حينما يتعرض لأدلة الحشر مستمدا في ذلك أيضا من بعض أسماء الله سبحانه من مثل قوله: "إن الذي أنشأ هذه الأنواع من الحشر في كل ربيع، التي تربو على الألوف، وتفوق غرابة الحشر الأكبر هو الذي وعد أنبياءه كافة بآلاف الوعود والعهود أن سيأتي بالحشر والقيامة للثواب والعقاب، وهو أهون على قدرته من الربيع نفسه، وضمَّن آلاف الإشارات حول الحشر في القرآن الكريم، الذي يقرر صراحة في ألف من آياته الكريمة على وعوده سبحانه ووعيده.. فلاشك أن عذاب جهنم لهو عين العدالة بحق من يرتكب جحود الحشر أمام ذلك القدير الجبار والقهار ذي الجلال."23


وحينما يتطرق النورسي لمثالب الكفر وعيوبه يذكر أن من أهم ما يستحق الكفر عقاب الله هو أنه تزييف لأسماء الله الحسنى: "إن إدخال الكفار جهنم حق وعدالة، مثلما جاء في "الإشارة الثالثة من الكلمة العاشرة". إنّ الكافر وإن عمل ذنباً في عمر قصير، إلاّ أن ذلك الذنب ينطوي على جناية لا نهاية لها؛ ذلك لأن الكفر تحقير للكائنات جميعاً وتهوين من شأنها.. وتكذيب لشهادة المصنوعات كلها للوحدانية.. وتزييف للأسماء الحسنى المشهودة جلواتها في مرايا الموجودات.. ولهذا يلقي القهار الجليل، سلطان الموجودات، الكفارَ في جهنم ليخلدوا فيها، أخذاً لحقوق الموجودات كلها منهم."24


وبينما كان النورسي يسير سيره الروحاني في ظلال اسم الله "العدل" وبينما كان يقرأ تجلياته تلك القراءة الرائعة المثيرة لدى العبد المؤمن لجميع أحاسيس اليقين الصادق ومشاعر العقيدة الصافية يندد بقبائح الكفر الفكرية فيأتي بترهيب عقلي وينفر تنفيرا فكريا من الكفر والشرك إذ يقول:


"أيها الإنسان المسرف الظالم الوسخ.! اعلم، إنّ الاقتصاد والطهر والعدالة سنن إلهية جارية في الكون، ودساتير إلهية شاملة تدور رحى الموجودات عليها لا يفلت منها شيء إلاّ أنت أيها الشقي، وأنت بمخالفتك الموجودات كلها في سيرها وفق هذه السنن الشاملة تلقى النفرة منها والغضب عليك وأنت تستحقها فعلامَ تستند وتثير غضبَ الموجودات كلها عليك فتقترف الظلم والإسراف ولا تكترث للموازنة والنظافة؟"25


إن أهم ما يندد به بديع الزمان ذوي الكفر ويرهبهم به هو أن المؤمن إذا لم يدخل حظيرة الإيمان دخل دائرة الكفر الفاسدة الخبيثة. ومن أبسط مظاهر ذلك الخبث الذي يتلوث به الإنسان أنه يكون ظالما متجاوزا على حقوق جميع الموجودات بإنكار، خالقها ويكون مسرفا بإسرافه حيث يسرف في كثير مما في الكون مما وهبه الله.


المحور الثالث الحكمة


يُعَدُ الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة من أفذاذ العلماء الذين تضلعوا في أنواع عديدة من المعارف الإلهية والحكمة الربانية وكانت جوانبه تفيض بتلك الحكمة المطهرة التي توصل إلى الحقيقة وترشد إلى الهدى وتصوب إلى وجهة الحق. فمثلا انظر إلى هذه الكلمات المستنيرة للنورسي كي تقدر أبعاد حكمته المتغلغلة في جميع أرجاء هذا الكون المشهود والمحيطة به من كلّ جانب.


"الحمد لله الذي تحمِد له وتثني عليه بإظهار صفاته الكمالية هذه العوالمُ بجميع ألسنتها الحالية والقالية؛ اذ العوالم بأنواعها، وأركانها، وأعضائها، وأجزائها، وذراتها، وأثيرها؛ بألسنةِ حدوثها وإمكاناتها، واحتياجاتها، وافتقاراتها، وحكمتها، وصنعتها، ونظامها، وموازنتها، وإتقانها، وكمالاتها، وعباداتها، وتسبيحاتها.. ألسنات مسبّحات تاليات لأوصاف جلاله بأنه: هو الله الواجب الوجود القديم السرمدي الأبدي الواحد الاحد الفرد الصمد العزيز الجبار المتكبر القهار.. وكذا حامداتٌ تاليات لأوصاف جماله قائلات بان: خالقنا رحمن، رحيم، رزاق، كريم، جواد، ودود، فياض، لطيف، محسن، جميل.. وكذا ذاكرات تاليات لأوصاف كماله ناطقات – قالاً وحالاً – بان خالقنا ومالكنا: حيٌّ، قيوم، عليم، حكيم، قدير، مريد، سميع، بصير، متكلم، شهيد.. وكذا ألسنات تاليات لأسمائه الحسنى المتجلية في الكائنات."26


يبرز بصورة واضحة أن النورسي يستمد ويستلهم الغالبية العظمى من معارفه وحكمه من الأسماء الإلهية ويوصِّل دوما ما تلمع لديه وانقدح في ذهنه من الحكم والمعارف بشكل ما بواحد أو أكثر من الأسماء الإلهية لأن جميع ما في الكون من انتظام، وإتقان، وإبداع، وخلق، وإيجاد، وإنشاء، وتنسيق، وترتيب ليس إلا من تجليات تلك الأسماء الإلهية ومظاهرها حسب مذاق النورسي، وتذوقه الروحاني، وذوقه العرفاني يشهد لذلك ما قاله من أن كل الموجودات تاليات لأوصاف جماله قائلات بأن خالقنا رحمن رحيم رزاق...إلخ. وهذا هو أسمى المناصب وأعلى القمم التي يمكن أن يتسلق إليها العلماء والعارفون والأتقياء والأصفياء عبر مسيراتهم الروحانية. فيمكن استنتاجا من هذا أن نقول بدون تحرج: إن أكثر ما يتجلى ويبرز فيه جوانب حكمة النورسي النيرة هو قراءته للأسماء الإلهية الكريمة وسيره في ظلالها الناعمة فحينما يمشي وئيدا في مظاهرها ويبرز عديدا من تجلياتها تستيقن أنه ضليع تلك الحكمة وفارس ميدانها. إن ما يتمتع به النورسي من الحكمة الجمة حكمة نقية من أدران الفلسفة، وشطحات الصوفية، وشطط الحلولية، والتواآت الكلامية الجديدة، وتعقيدات الحكمة القديمة. فهو لا يلوي عليها، ولا يلتفت إليها، ولا يلقي إليها بالا، بل ينبذها خلف ظهره نبذا لأنه يعتقد أنها لا تأتي للمسلمين بنقير ولا قطمير في هذا العصر المدلهم بظلمات الإلحاد والجحود. كما تراه يعترض عليها بقوة ويتعرض لها بشدة. وكان أعظم أهداف النورسي وأسمى مطالبه إيصال هذه الحكمة المستنيرة في هذا الثوب القشيب إلى الناس فرادى وجماعات.


ثم إنه يستبين من خلال مقولات النورسي وأساليبه العالية اتصاله الواقعي بهذه الحكمة المستنيرة فكرا وفهما وقراءة وشرحا. وخاصة حينما يدخل في رحاب اسمي "الحكم والحكيم" يبرز ذلك بصورة أكثر ظهورا ووضوحا فاستمع إلى رنينه الحكيم بحكمته العميقة في هذا المقطع حتى ترى بأم عينيك أبعاد ما للنورسي من حكمة واسعة الأرجاء: "إن التجلي الأعظم لاسم "الحَكَم" جعل هذا الكون بمثابة كتاب عظيم كُتبتْ في كل صحيفة من صحائفه مئات الكتب، واُدرجت في كل سطر منه مئات الصفحات، وخُطَّتْ في كل كلمة منه مئات السطور، وتُقرأ تحت كل حرف فيه مئات الكلمات، وحُفِظَ في كل نقطة من نقاطه فهرسٌ مختصر صغير يلخص محتويات الكتاب كله.. فهذا الكتاب بصفحاته وأسطره بل بنقاطه يدل دلالة واضحة ساطعة – بمئات الأوجه – على مصوِّرِه وكاتبه، حتى أن مشاهدة الكتاب الكوني العظيم هذا وحدَها كافية للدلالة على وجود كاتبه، بل تسوقنا الى معرفة وجوده ووحدانيته بما يفوق دلالة الكتاب على نفسه أضعافا مضاعفة."


"إذ بينما يدل الحرفُ الواحد على وجوده ويعبّر عن نفسه بمقدار حرف فأنه يعبّر عن أوصاف كاتبه بمقدار سطر.."


"نعم! إنّ سطح الأرض ‘صحيفة’ من هذا الكتاب الكبير، هذه الصحيفة تضم كتباً بعدد طوائف النباتات والحيوانات، وهي تُكتب أمام أنظارنا في موسم الربيع في غاية الكمال والإتقان من دون خطأٍ، كتابةً متداخلة، جنباً إلى جنب، في آن واحد."27 وهكذا يستمر النورسي في الإعراب عن جوانب عظيمة ضخمة مشحونة بكثير من الحقائق العلمية والدقائق المعرفية والمسائل العرفانية التي لم يصل إليها العلم القديم والجديد إلا بشق الأنفس. فله في الإفصاح عن تلك الحكمة النيرة بيان سحري وأسلوب سلس ينزل من أقاصي مخازن حكمته الثرية كالسيل المنحدر من علو إلى سفل في قاع صفصف لا ترى فيها عوجا ولا أمتا.


ألق بصرك وبصيرتك باهتمام واعتناء على هذه المناجاة النابعة من قلب ملئ يقينا وإذعانا يفيض حكمة وعرفانا. فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير! أصغ إليه وهو يناجي ربه بكلمات في نهاية الحكمة والرزانة وغاية الثقة والرصانة:


"يَا فَاطِرُ يَا قَادِرُ! يَا مُدبِّرُ يَا حَكيمُ! يَا مُرَبي! يَا رَحيمُ! لقد علمت بتعليم الرَسُولِ الأكرَم صلى الله عليه وسلم وبدرس القُرآن الحكيم وآمنت بأنه: كما أن النباتات والأشجار تعرفك وتُعلم صفاتك القدسية وأسماءك الحسنى، فليس في الأحياء المالكة للرُوح كالإنسان والحيوانات من فرد لا يشهد على وُجوبِ وُجُودِكَ، وعلى تحقق صفاتك؛ بأعضاء جسمه الداخِلية منها والخارجية، العاملة والمساقة الى العمل – كالساعَاتِ المنتظمة – وبآلاته وحواسه الموضوعة في بدنه بنظام في منتهى الدّقة وبميزان في مُنتهى الحَساسية وبفوائد ذات أهمية، وبأجهزته البدنية المخلوقة في غاية الإتقان، والمفروشة في غاية الحكمة والموضوعة في غاية الموازنة.. لان هذه الصنعة الدّقيقة ببصيرة، والحكمة اللطيفة بشعور، والموازنة التامّة بتدبير لا يمكن أن تتدخل فيها القوة الَعمياء ولا الطبيعة الصماء ولا المُصادفة العشواء، فلا يمكِن أن تكون هذه الأمور من أعمالها.. أما تشكلها بنفسها فهو محال في مائة محال؛ لأنه ينبغي أن تعرف كلُ ذرَة من ذراتها وترى وتعمل كل ما يخص تركيب جسَدِهَا، بل كل شيء يتعلق بها في الدنيا، فتملك علماً وقدرةً محيطين كأنها إله، ثم يمكن أن يحال تشكيل الجسد إليها ويقال إنها تشكلت بنفسها!!"


"وكذا ليست هناك كيفية للأحياء عامة؛ مِن وحدة التدبير، ووحدة الإدارة، ووحدة النوع، ووحدة الجنس، ووحدة سكة الفطرة – المشاهدة اتفاقها في أوجهها عامة من عين وأذن وفم وغيرها – ومن الإتحاد في سكة الحكمة – الظاهرة في سيماء كل فرد من أفراد النوع الواحد، ومن المعية في الإعاشة والإيجاد مع تداخل بعضها في بعض.. إلاَّ وتتضمن شهادة قاطعة على وحدتك، وإشارة إلى أحديتك في الواحدية، بما يملك كلُّ فرد من أفرادها من تجليات جميع الأسماء الناظرة الى الكون."28 هل رأيت بيانا أنصع وكلمات أفصح من هذا الأنين الطالع من ذلك القلب الحزين؟


لا نلبث أن نرى الأستاذ النورسي يتطرق بذلك الأسلوب الواضح المرن الذي يخصه هو إلى أطراف طريفة من الحكمة مستلهما جميع تلك الأطراف من تجليات ذينك الاسمين الكريمين: "إنّ الصانع القدير باسمه "الحَكَم والحكيم" قد أدرج في هذا العالم ألوف العوالم المنتظمة البديعة، وبوأ الإنسان – الذي هو أكثر من يمثل الحِكَم المقصودة في الكون وأفضل مَن يظهرها – موقعَ الصدارة، وجعله بمثابة مركز تلك العوالم ومحورها؛ اذ يتطلع ما فيها من حِكَم ومصالح إلى الإنسان. وجعل الرزق بمثابة المركز في دائرة حياة الإنسان؛ فتجد أنّ معظم الحِكَم والغايات وأغلب المصالح والفوائد – ضمن عالم الإنسان – تتوجه إلى ذلك الرزق وتتضح به؛ لذا فان تجليات اسم "الحكيم" تبدو واضحة بأبهر صورها وأسطعها من خلال مشاعر الإنسان، ومن تضاعيف مذاقات الرزق، حتى غدا كل علم – من مئات العلوم التي توصّل الإنسان إلى كشفها بما يملك من شعور – يعرِّف تجلياً واحداً من تجليات اسم "الحَكَم" في نوع من الأنواع.


فمثلا: لو سُئل علم الطب: ما هذه الكائنات؟ لأجاب: إنّها صيدلية كبرى أحضرت فيها بإتقان جميع الأدوية وادّخرَت. وإذا ما سُئل علم الكيمياء: ما هذه الكرة الأرضية؟ لأجاب: إنّها مختبر كيمياء منتظم بديع كامل. على حين يجيب علم المكانيكا (علم الآلات): إنها معمل منسَّق كامل لا ترى فيه نقصاً. كما يجيب علم الزراعة: إنها حديقة غنَّاء ومزرعة معطاء، تستنبت فيها أنواع المحاصيل، كلٌ في أوانه. ولأجاب علم التجارة: إنها معرض تجاري فخم، وسوق في غاية الروعة والنظام، ومحل تجاري يحوي أنفس البضائع المصنوعة وأجودها. ولأجاب علم الإعاشة: إنها مستودع ضخم يضم الأرزاق كلها بأنواعها وأصنافها. ولأجاب علم التغذية: إنها مطبخ رباني تطبخ فيه مئات الألوف من الأطعمة الشهيَّة اللذيذة جنباً إلى جنب بنظام في غاية الإتقان والكمال. ولو سئل علم العسكرية عن الأرض! لأجاب: إنها معسكر مهيب يُساق إليه في كل ربيع جنودٌ مسلحون جُدد يؤلفون أمماً مختلفة من النباتات والحيوانات يبلغ تعدادها أكثر من أربعمائة ألف أمة، فتُنصَب خِيَمُهم في أرجاء سطح الأرض. وعلى الرغم من أن أرزاق كل أمَّة تختلف عن الأخرى، وملابسها متغايرة وأسلحتها متباينة، وتعليماتها مختلفة، ورُخَصها متفاوتة، إلا أن أمور الجميع تسير بانتظام رائع، ولوازم الجميع تُهيأ دون نسيان ولا التباس، وذلك بأمر من الله تعالى وبفضل رحمته السابغة صادراً من خزينته الواسعة. وإذا ما سئل علم الكهرباء! لأجاب: إن سقف قصر الكون البديع هذا قد زُيِّن بمصابيح متلألئة لا حدَّ لكثرتها ولا منتهى لروعتها وتناسقها، حتى إن النظام البديع والتناسق الرائع الذي فيه يحولان دون انفجار تلك المصابيح السماوية المتوهجة دوماً – وهي تكبر الأرض ألف مرة وفي مقدمتها الشمس – ودون انتقاص توازنها أو نشوب حريق فيما بينها.."


"تُرى من أي مصدرٍ تُغذّى تلك المصابيح التي لا يحد ولا ينفد استهلاكها؟. ولِمَ لا يختل توازن الاحتراق؟ علماً ان مصباحاً زيتياً صغيراً إن لم يُراعَ ويُعتنَ به باستمرار ينطفئ نورُه ويخبُ.. فسبحانه من قدير حكيم ذي جلال كيف أوقد الشمس – التي هي أضخم من الأرض بمليون مرة ومضى على عمرها أكثر من مليون سنة – حسب ما توصل إليه علم الفلك – دون أن تنطفئ ومن دون وقود أو زيت."29


إنه رحمه الله تطرق في هذا المقطع القصير إلى أنواع من حكمته تعالى: حكمته المندمجة في خلق العوالم، حكمته المندمجة في خلق الإنسان، حكمته المندمجة في خلق الرزق، حكمته المندمجة في أنواع من العلوم التي وضع الله سبحانه قوانينها، وقواعدها مخبوءة مبثوثة في هذا الكون العظيم فيستنطق رحمه الله تلك الأنواع من العلوم فيفصح كل منها عما في كيانه وبنيانه من تلك الحكمة البارزة الجلية التي تدل على طرف من حكمة وعظمة خالقها العظيم والتي هي من تجليات أسمائه الجليلة. وهكذا لو ذهبنا نستقصي جميع مواد الحكمة ومصادرها المبثوثة والمنظومة فى مؤلفات النورسي لبعد بنا الشقة ولزمنا أن ننقل الكثير الكثير من مؤلفاته وذلك ما نضيق به ذرعا في هذا العمل المضني. وحتى أننا نجد أنفسنا تجاه هذا الميراث التوحيدي الصافي وهذه الثروة الإيمانية العظيمة مثل فاطمة بنت حوشب الأنمارية حينما سئلت: أي أولادك أفضل؟ فأجابت: ثكلتهم إن علمت أيهم أفضل بل هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. فلا ندري أي مقطع نقبس أو إلى أي قطعة من الرسائل نشير. بل كل مقاطعها كسبائك عسجد صيغت بإلهام من اللطيف الخبير. والعارف اللبيب تكفيه الإشارة.


وختاما لهذا المحور أود أن أنقل رشفة من أديمه أو آتي بقبس ضئيل من بلسم حكمته التي تتلاطم بأمواج كأمواج البحار والمحيطات من العلم والمعرفة. ومن خلال ذلك سيستبين أطراف وأفنان من عجائب حكمة النورسي ولكن أحب أن أفصح قبل ذلك عن حقيقة ربما لا تخفى على القارئ المتمرّس الحصيف وهي أنك ترى تلك الحكمة الرفيعة للنورسي لا تنقص فيضانا ولا تخمد بركانا سواء في مسيرته المباركة في ظلال الأسماء الإلهية وتجلياتها القدسية كما في اللمعة الثلاثين مثلا أو في مسيرته الفكرية عبر صحائف هذا الكون المشهود وقراءته الرائعة لحججها وبراهينها وشواهدها ودوالها كما في جل رسائله وخصيصا حينما يتناغم بتلك الفيوضات القدسية التي ذاقها عرفانا ووجدا مقدسا وهضمها علما ويقينا ونطق بها احتجاجا وبرهانا في تلك الأبواب الستة التي سردها في شرح عرفاني وإيضاح برهاني وشهود يقيني لتلك الكلمات القدسية: (سُبحانَ الله، والْحَمْدُ لله، واللهُ اَكْبَر، ولآ إلٰهَ إلاَّ الله، وحَسْبنَا الله ونِعْمَ الوَكيل، ولٰا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله العَلِي العَظيم ) التي فاض بها حكمة النورسي في اللمعة التاسعة والعشرين وفي سائر كتاباته حتى إنه يقول في بداية الباب الرابع إن هذا الفصل يشير إلى ثلاث وستين مرتبة من مراتب معرفة الله وتوحيده.30 كما يذكر في بداية الفصل الثاني أنه ذكر تسعا وسبعين مرتبة من مراتب المعرفة والتوحيد.31 ولعمري لو أمعنت النظر في ما قدمه في باب الحجاج على معرفة الله سبحانه وأحطت بجميع ما كتبه لوجدت أنها تنوف على آلاف الحجج والبراهين على وجود الله وتوحيده وسائر صفاته الكمالية، والجمالية، والجلالية.


فنختم هذا المحور بإحدى جمله المفعمة حكمة والمشحونة يقينا والمليئة عرفانا: "اللهمَّ إنِّي اُقَدِّمُ إلَيكَ بَينَ يَدَي كُلِّ نِعْمَةٍ وَرَحمَةٍ وَحِكمَةٍ وَعِنايَةٍ، وبَينَ يَدَي كُلِّ حَيَاةٍ وَممَاتٍ وَحَيوَانٍ وَنَبَاتٍ، وَبينَ يَدَي كُلِّ زَهرَةٍ وَثَمَرةٍ وَحَبَّةٍ وَبَذرَةٍ، وَبَينَ يَدَي كُلِّ صَنْعَةٍ وصِبغَةٍ ونِظامٍ وَميزَانٍ، وبينَ يَدي كُلِّ تَنظيم وَتَوزيِنٍ وتَمييزٍ في كُلِّ المَوجُودَاتِ وَذَرَّاتِها، شَهادَةً نَشهَدُ:


أنْ لآ إلٰهَ إلاَّ اللهُ هُوَ الْحىُّ القَيومُ لآ إلٰهَ إلاَّ الله هُوَ الْبَاقي الدَّيمُومُ


لآ إلٰهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لآ شَريكَ لَهُ لآ إلٰهَ إلاَّ اللهُ هُوَ الْعزيزُ الجَبَّارُ...إلخ32


المحور الرابع التوصيل


إن من أجال نظرة سريعة على رسائل النور يتبين له أن للعلامة النورسي ميزة خاصة وخصيصة مميزة في التعريف بأسماء الله الحسنى وقراءة مظاهرها واستبانة تجلياتها، فهو حينما يغدو ويروح في بساتين آثار الأسماء الإلهية كي يبرز معانيها، ويظهر دلالاتها، ويستكشف مغازيها، ويستجلي وجوه الحقائق الإلهية العظمى في إثارة كنوزها يبدو وكأنه فارس ميدان وعندليب جنان فلا يعرف لسانه وقلمه راحة وهدوءا ولا يعرف عقله وفكره نصبا وعياء. فلعمر الله إنك حينما تسير وفكرك مع النورسي في قراءته لتجليات وآثار الأسماء الإلهية تستيقن أنك أمام عارف رباني تذوّق بقلبه وطعم بفكره تلك الأسرار الإلهية التي أظهرها الله على صفحات الأكوان والتي أضمرها في خبايا الموجودات وشرب بعقله وبصره وبصيرته سلسبيل الاكتناه والاستيقان لما في العالم العلوي والسفلي من جميع وجوه الدلالة والشهادة على عظمة ذلك الخالق العظيم. أليس من المثير حقا مسير النورسي في ظلال الأسماء الإلهية عندما يحاول أن يثبت للعمي الصم حقيقة الحشر فيسير في ظلالها ويستشهد بتجلياتها ويذكر في ظلال أربع وعشرين اسما من أسماء الله الحسنى ثلاثا وعشرين دليلا كليا جامعا من الأحداث والأفعال والتصاريف الجارية في الكون التي تدل من جهة على الصفات الكمالية والجمالية والجلالية للخالق سبحانه. ومن جهة أخرى ينتقل النورسي نقلة طريفة من تلك الدلالة إلى وجه دلالتها على ضرورة الحشر.33


وكذلك نرى للنورسي توجها رائعا مدهشا نحو قراءة تجليات الأسماء الإلهية وشرح مظاهرها حينما يناجي ربه في تلك المناجاة التي سماها الشعاع الثالث والتي تآزر في استكشاف مغازيها، وتظاهر على إبراز معانيها جميع كيانه المادي والمعنوي من روحه، وقلبه، وعقله، وسائر لطائفه، وأحاسيسه. وتعاون على استخراج مكنون حقائقها، واستطلاع مخزون أسرارها جميع مكتسباته وممتلكاته من علمه، وفكره، وثقافته، وباقي مكاسبه. يناجي النورسي فيها ربه بصورة ملحة بسبعين اسما من أسمائه العظيمة واقفا متأنيا عند كل اسم متفكرا بعمق وأصالة فيما هو من تجلياته ومظاهره من الأفعال الحكيمة والتصريفات العظيمة مستدلا بها على ما لا بد من الاستدلال عليه من حقائق الإسلام العظمى ومسائله العليا.34


كما نرى من عجائب النورسي رحمه الله ما أبدع به عبقريته العلمية والعرفانية الفذة وإشراقته الروحية الجمة في شرح الأسماء الإلهية الستة: القدوس، الحكم، العدل، الفرد، الحي، القيوم فإنه رحمه الله سار سيرا خاصا وهو يشرح تجليات تلك الأسماء في اللمعة الثلاثين، أتى بأنواع من الحكمة وأصناف من المعرفة وخاض في بحار متلاطمة من تجليات تلك الأسماء العظيمة، وأتى بفرائد مكنونة في أصداف لم يطمثهن إنس ولا جان. حيث كثف نظره حينما يسير في ظلال اسم القدوس على تجلياته في مجال التنظيف والتطهير السائد على جميع مجالات الإيجاد والإحياء والإماتة وكثف نظره أثناء سيره في ظلال اسم العدل على تلك الموازنة الرائعة الدقيقة التي عمت الكون كله. كما ركز نظره وهو يسير في ظلال اسم الحكم على ما يعم جميع أرجاء الكون من انتظام واتساق وموازنة دقيقة تجمعها كلها تلك الحكمة التي تسود الجميع. وهكذا ترى الأستاذ جعل البيان عن موضوع يناسب تجليات ذلك الاسم الذي سيبحث عنه نصب عينيه هدفا وهو يسير في ظلال كل واحد من تلك الأسماء الستة فيحاول الإفصاح عن ذلك الموضوع بكل ما أوتي من جهد وقوة.


نعم الحق يقال! إن الشيخ النورسي شارح حقيقي – بمعنى الكلمة – للأسماء الإلهية. حيث شرحها من وجوه شتى: ولكن ليس شرحا لغويا أو أدبيا يقف عند المدلول اللغوي للاسم ويفحص عن الملابسات الصرفية له وعن سائر العلاقات اللسانية له باحثا عما مرت الكلمة به من مراحل أو لقيت من التطورات. فالنورسي بمعزل عن ذلك. بل شرحها شرحا حكميا، علميا، عرفانيا، عقليا، ذوقيا. وأتى في شرحها باستنباطات رائعة واستخرج منها حكما رائقة، وعلوما غزيرة، ومعارف جمة، واستنطقها استنطاقات طريفة، واستنبط منها آلاف الأدلة واستخرج منها مآت الفوائد والقواعد فألف بين المعاني المتجانسة، وفرق بين المواضيع المتخالفة، ونظم بين المفاهيم المتقاربة، وجمع بين المدلولات المتآلفة. فاستحصل نتائج جمة لم يسبق لها مثيل ولا يعرف لها نديد. فهو بقراءته الرائعة يوصِّل بين تجليات الكثير من الأسماء الإلهية ويؤلف بين العديد من المعاني الطالعة من دنان تجليات الأسماء الإلهية. فيفصح بحكمته النافذة عن سيادة تلك المعاني على الكون كله بتعاون مع القريب منها من تجليات الأسماء الأخرى.


إن من أهم وأطرف تلك النتائج التي حصل عليها النورسي عبر مسيره في ظلال الأسماء الإلهية وقراءته لتجلياتها أنه وصل بين المظاهر المتقاربة لتلك الأسماء وبكلمة أخرى إنه رحمه الله حينما يسير سيره العرفاني في تلك التجليات يجمع بين المتقارب منها ويؤلف بين المتآلف فيها ويوصل بين ما تفرّق منها فيخلص إلى معاني كلية تسود عامة صفحات الكون والحدوث، ومفاهيم شمولية تغمر كافة أنواع الإيجاد والإنشاء. كما يقول: "فهناك حقائق محيطة معها: كالرحمة والعناية والرقابة، وأمثالها مئات من الحقائق المحيطة والأنوار العظيمة".35


للأستاذ جهد خاص وسعي متميز في تحصيل التوصيل بين مغازي الأحداث الجارية في الكون، التي تحمل دلالات شتى وإشارات قصوى، فعدّها من تجليات الأسماء الإلهية.


يقرر هذه الحقيقة بقوله: "ويستشفع (أي محمد صلى الله عليه وسلم) بجميع الأسماء القدسية الإلهية المتجلية في مرايا الموجودات، بل تدعو وتطلب تلك الأسماء عينَ ما يطلب هو. فاستمع! ها هو يطلب البقاء واللقاء والجنة والرضا. فلو لم يوجد مالا يعد من الأسباب الموجبة لإعطاء السعادة الأبدية من الرحمة، والعناية، والحكمة، والعدالة المشهودات – المتوقف كونها رحمة وعناية وحكمة وعدالة على وجود الآخرة– وكذا جميع الأسماء القدسية أسباباً مقتضية لها لكفى دعاء هذا الشخص النوراني."36 يستبين أن النورسي يبصر ويُرِي كل ذي بصيرة أن هذه الحقائق الأربع اللاتي هي مظهر لأسماء الله الحسنى هي السائدة على تصاريف الكون والفعاليات التي تجري فيه دوما إذ يقول: "نعم! أمن الممكن أن يظهر كل ذلك خلافاً للحقيقة، خلافاً لأوصافه المقدّسة وأسمائه الحسنى:"الحكيم، الكريم، العادل، الرحيم"؟ كلا.. ثم كلا. أم هل من الممكن أن يكذِّب سبحانه حقائقَ جميع الكائنات الدالة على أوصافه المقدّسة من حكمةٍ وعدلٍ وكرمٍ ورحمة، ويردّ شهادة الموجودات جميعاً، ويبطل دلائل المصنوعات جميعاً!؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً."37


فيشاهد النورسي، في سياق إثبات الحشر من خلال قراءة تجليات الأسماء الإلهية بإشراقته الروحية التي عمت جميع جوانبه، الحقائق الأربع: الحكمة والعناية والرحمة والعدالة، هي التي تسود على جميع الأفعال الإلهية التي تدبر هذا الكون الفسيح الأرجاء والمترامي الأطراف فأينما قلبت نظرك منه وجدتها فيه فيقول: "فيا صاحبي! أنعم النظر في هذا، لترى مدى ظهور اِنتظام الحكمة، ومبلغ وضوح إشارات العناية، ومقدار بروز أمارات العدالة، ودرجة ظهور ثمرات الرحمة الواسعة، في تلك القصور المتبدلة، وفي تلك الميادين الفانية، وفي تلك المعارض الزائلة. فَمَن لم يفقد بصيرته يفهم يقيناً أنه لن تكون – بل لا يمكن تصور – حكمة أكملَ من حكمة ذلك السلطان ولا عناية أجمل من عنايته، ولا رحمة أشمل من رحمته، ولا عدالة أجلّ من عدالته."38


نجد في هذا السياق أن النورسي يرى بحكمته البصيرة النافذة أن الرحمة والعناية والحكمة والعدالة هي التي تسود وتهيمن على جميع ما يفعله المولى سبحانه في الكون من خلق وإنشاء وإيجاد وتقدير وتدبير فهذه هي المعاني العامة السائدة على جميع ما يجريه الرب الرحيم في الكون. وكل من تلك المعاني من تجليات أسماء الله العظيمة. هذه واحدة!


و في سياق آخر حينما يسير في ظلال اسم العدل استنباط طائفة أخرى تسود فعاليات الكون ونظامه وله في هذا السياق تصريحان:


التصريح الأول هو التصريح بالبعض المعين من المعاني الكلية الجارية في نظام الكون والمستنبطة من معاني الأسماء الإلهية الكريمة إذ يقول: "فاعلم من هذا أن ‘العدالة والاقتصاد والطهر’ التي هي من حقائق القرآن ودساتير الإسلام، ما أشدها إيغالا في أعماق الحياة الاجتماعية، وما أشدها عراقة وأصالة. وأدرك من هذا مدى قوة ارتباط أحكام القرآن بالكون، وكيف أنها مدّت جذوراً عميقة في أغوار الكون فأحاطته بعرىً وثيقة لا انفصام لها. ثم افهم منها أن إفساد تلك الحقائق ممتنعٌ كامتناع إفساد نظام الكون والإخلال به وتشويه صورته."39 ولا يغيبن عن بالنا أن سريان هذه المعاني بين أجزاء الكون وجزئياته إنما هو من حيث ما يقوم بها من الأفعال والأعمال والملابسات كما أن سيادة المعاني الأربعة الأول إنما هو من حيث تعلق أفعال الله كالخلق والإيجاد بها. علما منا أن العدل له تعلق بكلا الأمرين معا.


التصريح الثاني: هو أن النورسي يصرح بدون تلكؤ ولا تلعثم أنه يحيط بالكون وتصاريفه ونظاماته كثير من المعاني الكلية إذ يقول: "ومثلما تستلزم هذه الحقائق المحيطة بالكون، وهذه الأنوار العظيمة الثلاثة: العدالة والاقتصاد والطهر الحشرَ والآخرة فهناك حقائق محيطة معها: كالرحمة والعناية والرقابة، وأمثالها مئات من الحقائق المحيطة والأنوار العظيمة تستلزم الحشر وتقتضي الحياة الآخرة."40 ففي منظور النورسي وحدة الصانع تستلزم أن تكون الإجراآت التي تتنوع إلى أنواع عديدة والتي يدار بها نظام الكون كلية شمولية موجودة في كل ما يحتاج إليها. حتى لا يكون هناك تمزق وتفرق في الإجراآت التي تجرى تصاريف الكون بها. فمثلا إذا ما تفرق ما يجرى من فعالية "التنظيف" أو إذا لم تجر بصورة كلية سائدة على جميع المظاهر التي تحتاج إلى التنظيف دل ذلك على تشوش في الكون وعدم توحد نظام. وذاك مما ينافي وحدة الصانع.


كما نجد في سياق ثالث للنورسي تحديدا لما يجري بين أجزاء الكائنات من صلات وملابسات واتصالات وما يُجرى عليها من تقدير، وتدوير، وتصريف فيوصل بين تلك المعاني الكلية المتوائمة ويستخرج منها وحدات كلية يرى أنها تسود على كلا القسمين أيضا وليست تلك الوحدات الكلية إلا من تجليات أسماء الله الحسنى. تجد ذلك بصورة رائعة عند ما تلقى ذلك الاستنباط الرائع له في قوله: "نعم إن إظهار الأشياء المتعاونة – وهي جامدة وبلا شعور ولا شفقة – أوضاعا تنم عن الشفقة وتتسم بالشعور فيما بينها دليل وأيّ دليل على أنها تُدفع دفعاً للإمداد والمعاونة فتجري بقوة رب ذي جلال، وبرحمة رحيم مطلق الرحمة، وبأمر حكيم مطلق الحكمة. وهكذا فان التعاون العام الجاري في الكون والموازنة العامة السارية بكمال الانتظام والمحافظة الشاملة، ابتداء من المجرات والسيارات إلى أجهزة الكائن الحي وأعضائه الدقيقة بل إلى ذرات جسمه، والتزيين الجاري قلمه من وجه السموات المتلألئ إلى وجه الأرض البهيج، بل إلى وجه الأزهار الجميلة، والتنظيم الحاكم ابتداء من درب التبانة إلى المنظومة الشمسية والى ثمار الذُرة والرمان وأمثالهما، والتوظيف القائم ابتداءً من الشمس، والقمر، والعناصر، والسحب إلى النحل والنمل.. وأمثالها من الحقائق العظيمة جداً، والشاهدة شهادة متناسبة مع عظمتها، تشكل الجناح الثاني لشهادة الكون على وجوده سبحانه ووحدانيته وتثبتها."41 فاستنتج هذه المعاني الستة مما يسود الكون من تلك المعاني المتآلفة المتآزرة. وبكلمة واحدة تلك نتائج علمية عرفانية عظيمة مثيرة ربما لم يسبق إليها الأولون وهو ما نقصده بالتوصيل في هذا المحور.


وشيء آخر يلفت نظرنا حينما نرى النورسي يسير في ظلال الأسماء الإلهية ويعرب عن ما لاقى في تلك الظلال والتجليات من المعاني الكلية والمعارف العامة والعلوم الجمة والفوائد التامة هو أنه رضي الله عنه وأرضاه يفتح بذلك التفكير الإيماني الرفيع بابا حضاريا مغلقا وينشئ بذاك عقلية حضارية فذة تكون حاثة للأجيال المقبلة على إنشاء حضارتهم الإيمانية من جديد كما فعله الرعيل الأول. واهم المؤشرات على إنشاء النورسي لتلك العقلية الحضارية الرفيعة ما يتبسط فيه النورسي من ذلك التفكير السامي والعميق والمتنوع الغني وتلك الجولات الفكرية السريعة في شتي ميادين الوجود والخلق والحياة وجميع أحداث الكون. وكل ذلك مما يستلهمه من تجليات الأسماء الإلهية العظيمة.


وغير خاف على الجميع أن ملامح تلك العقلية الحضارية بادية بارزة في كل قطعة وكل جملة وكل كلمة وكل حرف من كتابات النورسي. فعليه رحمة الله ورضوانه وغفرانه.


خاتمة


إن للأستاذ النورسي منهجا يخصه فيما يعرض من أفكار وهو منهج الاستدلال العقلي الرصين فالأستاذ تراه لا يخطو خطوة في عرض أفكاره وتقويمه وتوجيهه إلا وتراه يأتي بباقات من الأدلة والبراهين.


ففي تناوله لأسماء الله الحسنى يبدو أنّ له منهجية خاصة، فأولا إنه يقرأ جميع ما استند إليه من الأسماء الإلهية قراءة مستنيرة يستفاد منها دروس حضارية جمة سواء في التوظيف التعميري وسواء في الإحياء العلمي وسواء في غيرهما. هذا من جانب وأما الجانب الآخر فإنه سار عبر سياحاته الروحية في تجليات الأسماء في محاور أربع: محور الترغيب، محور الترهيب، محور الحكمة، محور التوصيل. ولكل واحد من تلك المحاور معالم تخصه وملامح تبدو عليه. ومن أهم ملامح ذلك العرض أن النورسي لا يغيب عبر مسيره الفكري عن وعيه وشعوره. فلا يحصل له رحمه الله أي شيء من الغيبوبة لا في فكره ولا في وعيه ولا في أي شيء آخر مضاف إليه كما أنه يتجنب تماما عن تلك التعقيدات الفلسفية والمصطلحات النخبوية والأساليب المعقدة الركيكة.


وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


* * *


المراجع:


النورسي بديع الزمان سعيد: الكلمات، اللمعات، الشعاعات، صيقل الإسلام، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، إستانبول 1993؛ المثنوي العربي


الهوامش:


1 أ.د. محمد خليل جيجك: جامعة أنقرة، كلية إلٰهيات، أنقرة.
2 النورسي بديع الزمان سعيد، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، إستانبول 1993، ص 463–464.
3 النورسي بديع الزمان سعيد، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، إستانبول 1993، ص 361.
4 المصدر السابق، ص 585.
5 النورسي ، اللمعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، إستانبول 1993، ص 55.
6 النورسي ، الشعاعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، إستانبول 1993، ص 89.
7 المصدر السابق ص 8.
8 النورسي بديع الزمان سعيد، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، إستانبول 1993، ص 139.
9 النورسي سعيد بديع الزمان، الشعاعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر، إستانبول 14141993، ص 86.
10 النورسي ، الصيقل الإسلامي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر، إستانبول 14141993، ص 502.
11 نفس المصدر السابق.
12 النورسي، الشعاعات، ص 8.
13 النورسي ، الصيقل الإسلامي محاكمات، ص 133.
14 النورسي، الشعاعات، ص 96–97.
15 المصدر السابق، ص 527.
16 النورسي، الكلمات، ص 408.
17 المصدر السابق، ص 529.
18 النورسي، الشعاعات، ص 146.
19 النورسي، الشعاعات، ص 77.
20 مسلم في صحيحه كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.
21 النورسي، الكلمات، ص 413.
22 النورسي، الشعاعات، ص 198.
23 المصدر السابق، ص 218.
24 النورسي، المكتوبات، ص 51.
25 النورسي، اللمعات، ص 525.
26 النورسي، المثنوي العربي ، ص 134.
27 النورسي، اللمعات، ص 528.
28 النورسي، الشعاعات، ص 60–61.
29 المصدر السابق، ص 532–533.
30 المصدر السابق، ص 489.
31 المصدر السابق، ص 492.
32 المصدر السابق، ص 489–490.
33 راجع النورسي الكلمات، ص 65–99.
34 راجع النورسي، الشعاعات، ص 48–67.
35 المصدر السابق، ص 526.
36 النوسي الكلمات، ص 262.
37 المصدر السابق، ص 89.
38 النورسي، الكلمات، ص 57. وراجع أيضا في موضوع سيادة الحقائق الأربع الحكمة والعناية والعدالة والرحمة على جميع أفعال الله وتصاريفه وتدابيره وجميع الأحداث الجارية في هذا الكون، النورسي، الكلمات، ص 88، 89، 90، 91، 93، 97.
39 النورسي، اللمعات، ص 526.
40 المصدر السابق.
41 النورسي، الشعاعات، ص 185.



 

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Rüstem Paşa Medresesi Sururi Mah. Medrese Sokak No: 2 34120 Eminönü - İstanbul / TÜRKİYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80